الصفحة 105 من 133

ومثل هذا ما تقدَّم في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) ، على تفسيرها بأنَّ المراد مقاتلتهم في الأشهر الحرم وغيرها، فإنَّها تكون معلَّلةً بأنَّ المشركين يُقاتلون في الشهر الحرام، فدلَّ على أنَّ من قاتلنا في الشهر الحرام كان لنا أن نقاتله فيه.

ومن ذلك ما يأتي في المقال القادم بإذن الله، من قصة الحديبية.

وهذا الحكم ينطبقُ على نوعين من العدوِّ:

الأوَّل: من يلتزم الأشهر الحُرُم، ثمَّ ينتهكها، كما تُنقض العهود والمواثيق؛ فجاز في مثل هذا أن يُقاتل في الشهر الحرام قصاصًا، وهو ظاهر في الآية.

الثاني: من لا يلتزم تحريم الأشهر الحرم ولا يراها، من كفَّار العجم وعامَّةِ كُفَّار اليوم، إذا قاتلونا في الشهر الحرام، والظَّاهر أنَّ البغاة من المسلمين كذلك؛ فلو بغى علينا طائفةٌ من المسلمين وكانوا يرون نسخ تحريم الأشهر الحرم فقاتلونا فيها، جاز لنا أن نقاتلهم في الشهر الحرام كما قاتلونا، لأنَّه قصاصٌ كما سمّاه الله فلنا استيفاؤه، ولكنَّ استيفاء القصاص في قتال البُغاة لا يكون على جهة القصاص وحدها، وإنَّما يكون لدفع البغي ومعنى القصاص يوجد في إباحة دفع بغيهم في الشهر الحرام فقط، لا قتالهم انتقامًا.

ولا فرق بين من لا يلتزم الأشهر الحرم أصلًا ومن كان ملتزمًا لها ثمَّ نكث فيها، وقد أخذ أخذ عمر بن الخطاب العشور من تجّار الروم لمًّا كانوا يأخذونها من المسلمين، ولم يستفصل هل هم ملتزمون تحريم المكس أم ليس عندهم محرّمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت