اَلْكَعْبَةِ, فَقَالَ:"اُقْتُلُوهُ"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [1] .
(المغفر) في القاموس المغفر كمنبر زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة أو حلق يتقنع بها المتسلح.
أولًا: فيه دليل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم دخل مكة غير محرم يوم الفتح، لأنه دخل مقاتلًا، وهذا دليل أنه دخل مكة فاتحًا وأن مكة فتحت عنوة وهذا هو الحق , وهو ما رجحه ابن القيم في زاد المعاد والحافظ في الفتح وقال: والحق أن صورة فتحها عنوة , والشوكاني في نيل الأوطار وقال: وأكثر هذه الأحاديث تدل على أن الفتح عنوة , ويلزم من ذلك منع بيع دورها وإجارتها , خلافًا لما ذهب إليه الشافعي, ولكن يختص به ذلك، فإنه محرم القتال فيها ابتداءً كما قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم:"وإنما أحلت لي ساعة من نهار"الحديث وهو متفقٌ عليه.
ثانيا: وأما أمره صلى الله عليه وآله وسلم بقتل ابن خطل، وهو أحد جماعة تسعة أمر صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بقتلهم، ولو تعلقوا بأستار الكعبة، فأسلم منهم ستة، وقتل ثلاثة منهم ابن خطل. فإن ابن خطل كان قد أسلم فبعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مصدّقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه مسلمًا، فنزل منزلًا وأمر مولاه أن يذبح له تيسًا ويصنع له طعامًا، فنام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا فعدا عليه فقتله ثم ارتدّ مشركًا، وكانت له قينتان تغنيانه بهجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمر بقتلهما معه فقتلت إحداهما واستؤمن للأخرى فأمّنها.
قال الخطابي: قتله صلى الله عليه وآله وسلم بحق ما جناه في الإسلام، فدل على أن الحرم لا يعصم من إقامة واجب ولا يؤخره عن وقته ا هـ.
مسألة: وقد اختلف الناس في مسألة إقامة الحدود في الحرم:
1 -فذهب مالك والشافعي إلى أنه يستوفى الحدود والقصاص بكل مكان وزمان، لعموم الأدلة، ولهذه القصة.
2 -وذهب الجمهور إلى أنه لا يستوفى فيها حد لقوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} ولقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم:"لا يسفك بها دم".
وأجابوا عما احتج به الأولون بأنه لا عموم للأدلة في الزمان والمكان، بل هي مطلقات مقيدة بما ذكرناه من الحديث، وهو متأخر، فإنه في يوم الفتح بعد شرعية الحدود. وهذا الكلام فيمن ارتكب حدًا في غير الحرم ثم التجأ إليه، تأمل هذا فيمن أرتكب حد قال الجمهور إذا التجأ إلى الحرم لا يقتل فكيف بالمجاهد الفار بدينه ولم يرتكب حدًا.
وأما إذا ارتكب إنسان في الحرم ما يوجب الحد فذهب بعضهم: أنه يخرج من الحرم ولا يقام عليه الحد وهو فيه. وذهب ابن عباس رضي الله عنه إلى أنه يقام فيه فقال: من سرق أو قتل في الحرم أقيم عليه في الحرم. رواه أحمد عن طاووس عن ابن عباس
وفرقوا بينه وبين الملتجيء إليه: بأن الجاني فيه هاتك لحرمته والملتجىء معظم لها، ولأنه إن لم يقم الحد على من جنى فيه من أهله لعظم الفساد في الحرم، وأدّى إلى أن من أراد الفساد قصد إلى الحرم ليسكنه وفعل فيه ما تتقاضاه شهوته [2] .
(1) - صحيح. رواه البخاري (3044) ، ومسلم (1357) .
(2) 1 - سبل السلام للصنعاني بتصرف.