والذي يظهر أن المقصود في هذه الواقعة أن يجتهد في الحكم عليهم إما بالأسر أو الفداء أو القتل أو الرق كما في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لمعاذ حينما أرسله إلى اليمن (بما تحكم فيهم قال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله قال فإن لم تجد قال أجتهد رأي) والحديث صححه ابن تيمية وابن القيم وابن كثير والشوكاني والحق أنه ضعيف إذ مداره على الحارث بن عمرو قال الترمذي وليس إسناده عندي بمتصل وممن ضعفه البخاري والعقيلي والدارقطني وابن حزم وابن طاهر المقدسي وعبدالحق الأشبيلي وابن الجوزي والذهبي والله أعلم. وذلك يكون بالاستنباط من الكتاب والسنة وقياس الواقعة على ما يماثلها- وهو ما يسمي فقه النوازل- لا أن يشّرع نظامًا جديدًا أو لجنة أو مادة أو مرسومًا أو يطبق قرارات الأمم الملحدة (فإن ذلك منازعة لله عز وجل في خاصية من خصائصه ومن إدّعاها لنفسه فقد ألّه نفسه ونصبها ندًا يعبد من دون الله لأنها من المعلوم من الدين بالضرورة فالله يقول {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْر} , فهو الحَكَمْ واليه يرجع الحكم والتشريع , {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} بل الأنبياء لا يحق لهم التشريع وإنما هم واسطة بين الخلق والخالق قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله في رسالته تحكيم القوانين:
(إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين) [1] .
يقول: العلامة ابن القيم في تفسير قوله تعالى:
{تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ 97} إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (هذه التسوية إنما كانت في الحب والتأله وإتباع ما شرعوا، لا في الخلق والقدرة والربوبية، وهي العدل الذي أخبر به عن الكفار كقوله {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ} التفسير القيم(396) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (منهاج السنة) : (ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر. فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلًا من غير إتباع لما أنزل الله فهو كافر. ا. هـ) [2] .
وقال أيضًا (من عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله فقد سعى في الأرض فسادًا ... وقد قال تعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} فكل من خرج عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته ,فقد أقسم الله بنفسه المقدسة أنه لا يؤمن حتى يرضى بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم .... ) الفتاوى (28/ 471,470) .
مسألة:
قول الله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) .
سبب نزولها في اليهود حيث شرّعوا التحميم والجلد للمحصن، وبدلوا شرع الله فأنزل الله تعالى الآيات الثلاث من سورة المائدة، الحديث رواه مسلم.
وجاء في صحيح مسلم عن البراء بن عازب أنه سئل عنها فقال رضي الله عنه وأرضاه (في الكفار كلها)
(1) 2 - تحكيم القوانين (ص1) طبع سنة 1380 هـ مطابع الثقافة بمكة.
(2) 3 - كتاب الولاء والبراء للدكتور محمد سعيد القحطاني بتصرف.