الله صلى الله عليه وسلم الجزية على أهل الكتاب و المجوس لم يطالبهم بها حتى ضربها عليهم. ولا ألزمهم بأدائها في الحال وقت نزول الآية بل صالحهم عليها. وكان يبعث رسله وسعاته فيأتون بالجزية والصدقة عند محلهما واستمرت على ذلك سيرة خلفائه من بعده. وهذا مقتضى قواعد الشريعة وأصولها فإن الأموال التي تتكرر بمرور الأعوام إنما تجب في آخر العام لا في أوله كالزكاة والدية"ا. هـ"
رابعًا:- ما هي مصلحة المسلمين من أخذ الجزية ومصلحة الكافر من دفعها؟.
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه (أحكام أهل الذمة) 1/ 30"أما مصلحة أهل الإسلام فما يأخذونه من المال الذي يكون قوة للإسلام مع صغار الكفر وإذلاله وذلك أنفع لهم من الكافر بلا جزية. وأما مصلحة أهل الشرك فما في بقائهم من رجاء إسلامهم إذا شاهدوا أعلام الإسلام وبراهينه أو بلغتهم أخباره فلابد أن يدخل في الإسلام بعضهم: وهذا أحب إلى الله من قتلهم والمقصود إنما هو أن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله. ليس في إبقائهم بالجزية ما يناقض هذا المعنى. كما أن أهل الكتاب بالجزية بين ظهور المسلمين لا ينافي كون كلمة الله هي العليا وكون الدين كله لله فإن من كون الدين كله لله إذلال الكفر وأهله وصغاره وضرب الجزية على رؤوس أهله والرق على رقابهم فهذا من دين الله ولا يناقض هذا إلا ترك الكفار على عزهم وإقامة دينهم كما يحبون بحيث تكون لهم الشوكة والكلمة - والله أعلم -"ا. هـ. انظر كذلك المغني 13/ 156
المسألة الثالثة:
تضمن الحديث النهي عن إجابة العدوّ إلى أن يجعل لهم الأمير ذمة الله وذمة رسوله بل يجعل لهم ذمته، وقد علله بأن الأمير ومن معه إذا نقضوا عهدهم، فهو أهون عند الله من أن يخفروا ذمته تعالى، وإن كان نقض الذمة محرمًا مطلقًا.
وكذلك تضمن النهي عن إنزالهم على حكم الله، وعلله: بأنه لا يدري أيصيب فيهم حكم الله أم لا، فلا ينزلهم على شيء لا يدري أيقع أم لا؟ بل ينزلهم على حكمه وهو دليل على أن الحق في مسائل الاجتهاد مع واحد وليس كل مجتهد مصيبًا للحق وهذا القول الأول في هذه المسألة. أهـ [1]
قال الإمام الشوكاني: قوله ذمة الله: الذمة عقد الصلح والمهادنة , وإنما نهي عن ذلك لئلا ينقض الذمة من لا يعرف حقها وينتهك حرمتها بعض من لا تمييز له من الجيش فيكون ذلك أشد لأن نقض ذمة الله ورسوله أشد من نقض ذمة أمير الجيش أو ذمة جميع الجيش وإن كان نقض الكل محرما .. وفيه دليل لمن قال إن الحق مع واحد ... والحق أن كل مجتهد مصيب من الصواب لا من الإصابة (وهذا القول الثاني في المسألة) , وقد قيل: أن هذا الحديث لاينتهض للاستدلال به على أن ليس كل مجتهد مصيبًا , لأن ذلك كان في زمن النبي صلي الله عليه وسلم و والأحكام الشرعية إذ ذاك تنزل وينسخ بعضها بعضًا ويخصص بعضها ببعض , فلا يؤمن أن ينزل على النبي صلي الله عليه وسلم حكم خلاف الحكم الذي قد عرفه الناس ا. هـ
(1) 2 - ملخصًا من سبل السلام شرح بلوغ المرام للصنعاني.