من الدنيا، فقال: لا أجر له فأعاد عليه ثلاثًا كل ذلك يقول: لا أجر له".فهو محمول على من كان الباعث له العرض من الدنيا."
وإلا فإنه قد كان تشريك الجهاد بطلب الغنيمة , أمرًا معروفًا عند الصحابة، فإنه أخرج الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد: اللهم ارزقني رجلًا شديدًا , أقاتله ويقاتلني , ثم ارزقني عليه الصبر , حتى أقتله وآخذ سلبه. فهذا يدل على
جوازه عندهم وأنهم يدعون الله تعالى بنيله , ولو كان أمرًا مذمومًا لما أخذه النبي صلي الله عليه وسلم وقال (وجعل رزقي تحت ظل رمحي) رواه أحمد عن ابن عمر , وقال كما في الصحيحين من حديث جابر (وأحلت لي الغنائم ولم تحل لنبيٍ قبلي) بل كان يحث الصحابة عليه , والأصل جوازه كما قال تعالى {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وإنما يحمل مثل حديث أبي هريرة وغيره على من لم يرد وجه الله وإنما مقصوده الدنيا وليس له في الآخرة من نصيب.
قال ابن حجر (روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم) وذكر بعض المتأخرين للتعبير بثلثي الأجر في حديث عبد الله بن عمرو , حكمة لطيفة بالغة , وذلك أن الله أعد للمجاهدين ثلاث كرامات , دنيويتان وأخروية , فالدنيويتان السلامة والغنيمة , والأخروية دخول الجنة , فإذا رجع سالما غانما فقد حصل له ثلثا ما أعد الله له , وبقي له ثلث , وإن رجع بغير غنيمة , عوضه الله عن ذلك , ثوابا في مقابلة ما فاته , وكأن معنى الحديث , أنه يقال للمجاهد , إذا فات عليك شيء من أمر الدنيا عوضتك عنه ثوابا , وأما الثواب المختص بالجهاد فهو حاصل للفريقين معا. فتح الباري (6/ 9) .
قال الشيخ عبدالقادر بن عبدالعزيز في كتابه العظيم العمدة في إعداد العدة"وقال بعض أهل العلم هو على ظاهره وقد أورد البخاري رحمه الله هذه المسألة في كتاب فرض الخمس من صحيحه في باب [من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره؟] هكذا معلقا الحكم ولم يجزم فيه بشيء. وأورد فيه حديث أبي موسى الأشعري «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا» . وفَصَّل ابن حجر الأحوال المختلفة ولم يجزم في الحكم [1] بخلاف النووي الذي جزم في الحكم في هذه المسألة فقال في شرح حديث عبد الله بن عمرو السابق «ما من غازية تغزو ... » قال النووي: -"
"فالصواب الذي لا يجوز غيره أن الغزاة إذا سَلِموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم. فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة، كقوله «مِنّا من مات ولم يأكل من أجره شيئا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهْدبُها» أي يَجْتَنِيها فهذا الذي ذكرنا هو الصواب وهو ظاهر الحديث ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا فتعين حمله على ما ذكرنا وقد اختار القاضي عياض معنى هذا الذي ذكرناه بعد حكايته في تفسيره أقوالا منها قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح ولا يجوز أن ينقص ثوابهم بالغنيمة كما لم ينقص ثواب أهل بدر، وهم أفضل المجاهدين وهى أفضل غنيمة، قال وزعم بعض هؤلاء أن أبا هانئ حميد بن هانئ رَاوِية مجهول ورَجَّحوا الحديث السابق في أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة فرجحوه على هذا الحديث لشهرته وشهرة رجاله ولأنه في الصحيحين وهذا في مسلم خاصة، وهذا القول باطل من أوجه فإنه لا تعارض"
(1) فتح الباري: ج6/ص28،29،226.