وليس المراد بإظهار الدين: أن يترك الإنسان يصلي ولا يقال له اعبد الأوثان! فإن اليهود والنصارى لا ينهون من صلى في بلدانهم ولا يكرهون الناس على أن يعبدون الأوثان؟! بل المقصود: أن إظهار الدين هو: التصريح للكفار بالعداوة كما احتج خالد بن الوليد على مجاعة بأنه سكت ولم يظهر البراءة كما أظهرها ثمامة واليشكري. والقصة معروفة في السير، فما لم يحصل التصريح للمشركين بالبراءة منهم ومن دينهم لم يكن إظهار الدين حاصلًا [1] .
(2) أن يقيم عندهم مستضعفًا وقد بين الله الاستضعاف في كتابه فقال:
إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا .
وهذا الاستثناء بعد ما توعد المقيمين بين أظهر المشركين بأنّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا .
فاستثنى من لا يستطيع حيلة ولا يهتدون سبيلًا. قال ابن كثير: لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين
ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق
وقال تعالى: وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا فذكر في الآية الأولى: حالهم وهو العجز عن الخروج وعدم دلالة الطريق.
وذكر في الآية الثانية: مقالهم وهو أنهم يسألون الله أن يخرجهم من بلاد الشرك الظالم أهلها وأن يجعل لهم وليًا يتولاهم وناصرًا ينصرهم، فمن كانت تلك حاله وهذا مقاله فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [2] .
وقد ذكر البغوي: أن الأسير المسلم عند الكفار إذا استطاع الخلاص والانفلات منهم لم يحل له المقام بينهم، فإن حلّفوه أنهم إن خلوه لا يخرج فحلف فخلوه، وجب عليه الخروج ويمينه يمين مكره لا كفارة عليه فيها، وإن حلف استطابة لنفوسهم من غير أن يحلّفوه فعليه الخروج إلى دار الإسلام ويلزمه كفارة اليمين شرح السنة للبغوي (10/ 246) .
أما حكم السفر إلى بلاد الكفار الحربية لأجل التجارة ففي ذلك تفصيل: فإن كان يقدر على إظهار دينه ولا يوالي المشركين جاز له ذلك فقد سافر بعض الصحابة رضي الله عنهم كأبي بكر رضي الله عنه وغيره إلى بلدان المشركين لأجل التجارة ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه أحمد في مسنده وغيره.
(1) الدفاع (ص 16) والقصة المذكورة هنا أوردها المؤلف في كتابه (النجاة والفكاك) حيث قال: لما سار خالد إلى اليمامة لقتال المرتدين بعث قبله مائتي فارس، وقال من أصبتم من الناس فخذوه فأخذوا (مجاعة) في ثلاثة وعشرين رجلًا من قومه فلما وصلوا إلى خالد فقال له: يا خالد: لقد علمت أني قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته فبايعته على الإسلام وأنا اليوم على ما كنت عليه أمس، فإن يك كاذبًا قد خرج فينا فإن الله يقول: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فقال خالد: يا مجاعة تركت اليوم ما كنت عليه أمس وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتك، عنه وأنت أعز أهل اليمامة وقد بلغك مسيري - إقرار له ورضاء بما جاء به فهلا أبديت عذرًا وتكلمت فيمن تكلم؟ فقد تكلم ثمامة فرد وأنكر، وتكلم اليشكري: فإن قلت: أخاف قومي. فهلا عمدت إلي أو بعثت إلي رسولًا؟ فقال: إن رأيت يا بن المغيرة أن تعفو عن هذا كله؟ فقال خالد: قد عفوت عن دمك، ولكن في نفسي حرج من تركك. بيان النجاة والفكاك (ص 68 - 70)
(2) الدفاع (ص16) وما ذكره الشيخ حمد هنا موافق تمامًا لإجابة الشيخين حسين وعبد الله ابني محمد بن عبد الوهاب حين سئلا في هذا الموضوع انظر مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (1/ 39) الطبعة الأولى سنة 1346 هـ مطبعة المنار بمصر.