ترك ذلك إلا بمخالفتهم فعل. وموافقته لهم مع الجهاد معهم بنفسه وماله مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله أكبر من ذلك بكثير فهذا أيضًا كافر وهو ممن قال الله فيهم:
{سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَامَنُوكُمْ وَيَامَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَا إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُوا فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا}
القسم الثاني: أن يقيم عندهم لأجل مال أو ولد أو بلاد وهو لا يظهر دينه مع قدرته على الهجرة، ولا يعينهم على المسلمين بنفس ولا مال ولا لسان، ولا يواليهم بقلبه ولا لسانه، فهذا لا يكفرونه لأجل مجرد الجلوس، ولكن يقولون أنه قد عصى الله ورسوله بترك الهجرة، وإن كان مع ذلك يبغضهم في الباطن لقول الله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا
قال ابن كثير: (ظالمي أنفسهم) أي بترك الهجرة، ثم قال: فهذه الآية عامة لكل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر، وليس متمكنًا من إقامة الدين فهو مرتكب حرامًا بالإجماع وبنص هذه الآية.
قلت: وقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما. أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم فيرمى به فيصيبه فيقتله أو يضرب فيقتل فأنزل الله هذه الآية (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) ."وعند ابن المنذر بسند لا بأس به أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستغفر لهم"قاله شيخنا عبدا لله السعد. قلت: فهؤلاء خرجوا مع المشركين في غزوة بدر فهذا يدل على أن كفرهم بتوليهم للمشركين ومظاهرتهم لهم.
وقد سد الله باب الأعذار الواهية عن الهجرة والجهاد في قوله تعالى:
قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ .
وما من أحد يترك الهجرة إلا وهو يعتذر بشيء من هذه الثمانية وقد سد الله على الناس باب الإعتذار بها وجعل من ترك الهجرة لأجلها أو لأجل واحد منها فاسقًا وإذا كانت مكة هي أشرف بقاع الأرض وقد أوجب الله الهجرة منها ولم يجعل محبتها عذرًا فكيف بغيرها من البلدان.
القسم الثالث: من لا حرج عليه في الإقامة بين أظهرهم وهو نوعان:
(ا) أن يكون مظهرًا دينة فيتبرأ منهم وما هم عليه، ويصرح لهم ببراءته منهم وأنهم ليسوا على حق، بل إنهم على باطل وهذا هو إظهار الدين الذي لا تجب معه الهجرة كما قال تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ 1} لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ {2} وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ إلى آخر السورة.
فأمره أن يخاطبهم بأنهم كافرون، وأنه لا يعبد معبوداتهم، وأنهم بريئون من عبادة الله أي أنهم على الشرك وليسوا على التوحيد، وأنه قد رضي بدينه الذي هو عليه وبرئ من دينهم الذي هم عليه كما قال تعالى:
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 104} وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فمن قال مثل ذلك للمشركين لم تجب عليه الهجرة.