, أو في غيره ... قال الله فيهم {فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} وهذا السلق بالألسنة الحادة يكون بوجوه:
تارة يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذي جرى علينا بشؤمكم , فإنكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين , وقاتلتم عليه , وخالفتموهم؛ فإن هذه مقالة المنافقين للمؤمنين من الصحابة.
وتارة يقولون: أنتم أشرتم علينا بالمقام هنا , والثبات بهذا الثغر إلى هذا الوقت , وإلا فلو كنا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا.
وتارة يقولون: أنتم مع قلتكم وضعفكم تريدون أن تكسروا العدو , وقد غركم دينكم , كما قال الله تعالى {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .
وتارة يقولون: أنتم مجانين , لا عقل لكم , تريدون أن تهلكوا أنفسكم والناس معكم. وتارة يقولون أنواعًا من الكلام المؤذى الشديد) ... ا. هـ الفتاوى (28/ 456 - 458) .
6 -وَعَنْ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم"أَنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ اَلْمُشْرِكِينَ"رَوَاهُ اَلثَّلاثَةُ وَإِسْنَادُهُ [صَحِيحٌ] , وَرَجَّحَ اَلْبُخَارِيُّ إِرْسَالَهُ [1] والحديث صححه شيخنا المحدث عبد الله السعد.
7 -وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم"لَا هِجْرَةَ بَعْدَ اَلْفَتْحِ, وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [2] .
وللعلماء في مسألة الهجرة أقوال:
القول الأول: مذهب الجمهور: وهو وجوب الهجرة من ديار المشركين من غير مكة لحديث جرير ولما أخرجه النسائي من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعًا"لا يقبل الله من مشرك عملًا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين"وقوله تعالى: {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره}
قال الشوكاني: قال الحافظ: وكانت الحكمة أيضًا في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى من يؤذيه من الكفار , فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه وفيهم نزلت {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا} وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها ا. هـ
وأجابوا بأن حديث"لا هجرة"يراد به نفيها عن مكة، كما يدل له قوله:"بعد الفتح"فإن الهجرة كانت واجبة من مكة قبله.
قال البغوي في شرح السنة: يحتمل الجمع بطريق أخرى , فقوله (لا هجرة بعد الفتح) أي من مكة إلى المدينة وقوله (لا تنقطع) أي من دار الكفر في حق من أسلم إلى دار إسلام .... إلى أن قال: (ولا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو) أي مادام في الدنيا دار كفر فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشي أن يفتن على دينه .. ا. هـ نيل الأوطار
(1) - صحيح. رواه أبو داود (2645) ، والترمذي (1604) من طريق أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل. قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل وقال: فذكره. وزاد:"قالوا: يا رسول الله! لم؟ قال:"لا تراءى ناراهما". وهذا سند صحيح كما قال الحافظ، لكنه معلول بالإرسال -ومن هذا الوجه رواه النسائي (8/ 36) - كما نقل ذلك عن البخاري، وأيضًا قاله أبو داود. وأبو حاتم. والترمذي والدارقطني. قلت: لكن له شواهد يصح بها، وتفصيل ذلك بالأصل."
(2) - صحيح. رواه البخاري (2825) ، ومسلم (1353) ، وزادا:"وإذا استنفرتم فانفروا".