أمر التشديد في الدين بمن تهاون بقضائه أما من استدان دينًا في غير سرف ولا تبذير ثم لم يمكنه قضائه فإن الله يقضي عنه مات أو قتل كما ذكر ذلك ابن مفلح في الفروع (6/ 194) .
وقد اتفق الفقهاء على أن المسلم إذا وصى بقضاء دينه أو جعل له وكيلًا وكان عنده وفاء فإنه يجوز له الخروج بغير إذن صاحب الدين ولو كان الجهاد فرض كفاية , وكذا الحال فيما إذا كان الدين مؤجلًا لم يحل وقته بعد وهذا باتفاق الأئمة الأربعة ودليلهم قصة عبد الله بن حرام الأنصاري في الصحيحين أنه خرج وعليه دين كثير فأوصى به ابنه جابر ثم استشهد وذلك بعلم النبي صلي الله عليه وسلم ولم يذمه , بل مدحه وقال (ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع) رواه أحمد من حديث جابر , بل كلمه الله كفاحا بلا ترجمان وقال تمنى يا عبدي قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون فتمنى: قال أتمني أن ترضى عني فإني عنك راضي).
ثانيا: أن الكلام المذكور إنما هو في فرض الكفاية ولذا قال ابن النحاس في مشارع الأشواق عند ذكر الاختلاف في جواز خروج من عليه دين , قال: وهذا كله في الجهاد الذي هو فرض كفاية ا. هـ
وللإمام الشوكاني في نيل الأوطار كلام نفيس ويحسن أن ننقله للفائدة قال:
[ولا يخفى أن بقاء الدين في ذمة الشهيد لا يمنع من الشهادة بل هو شهيد مغفور له كل ذنب إلا الدين , وغفران ذنب واحد يصح جعله ثمرة للجهاد فكيف بمغفرة جميع الذنوب إلا واحدًا منها؟ ... وغاية ما اشتملت عليه أحاديث الباب هو أن الشهيد يغفر له جميع ذنوبه إلا ذنب الدين , وذلك لا يستلزم عدم جواز الخروج إلى الجهاد إلا بإذن من له الدين , بل إن أحب المجاهد أن يكون جهاده سببًا لمغفرة كل ذنب استأذن صاحب الدين , وإن رضي بأن يبقي عليه ذنب واحد منها جاز له الخروج بدون استئذان , وهذا إذا كان الدين حالًا] ا. هـ
أما إذا تعين الجهاد فإنه يخرج من غير إذن دائنه وهذا المتفق عليه عند الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم بل قد حكى الإجماع على ذلك غير واحد منهم ابن تيمية وغيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (سئلت عمن عليه دين وله ما يوفيه وقد تعين الجهاد؟ فقلت من الواجبات ما يقدم على وفاء الدين: كنفقة النفس والزوجة والولد , ومنها ما يقدم وفاء الدين عليه كالعبادات من الحج والكفارات. ومنها ما لايقدم عليه إذا خوطب به كصدقة الفطر. فإن كان الجهاد المتعين لدفع الضرر كما إذا حضره العدو أو حضر هو الصف قدم على وفاء الدين كالنفقة وأولى ... ثم قال: إذا كان الغرماء يجاهدون بالمال الذي يستوفونه فالواجب وفاؤهم لتحصيل المصلحتين: الوفاء والجهاد) المستدرك لابن قاسم (3/ 214) .
ثانيًا: مسألة استئذان ولى الأمر أو الحاكم.
قال شيخنا العلامة على الخضير ثبته الله وسدده في رسالته الماتعة [الإمامية] :
[نحن اليوم أمام تيار جديد وهو تيار ربط الأحكام والحقوق الشرعية وشعائر الدين الظاهرة بالحاكم وبالإمام في الوقت الذي لهؤلاء الأئمة والحكام توجهات تخالف الشريعة , فيؤدي إلى تعطيل هذه الشعائر أو جعلها أداة للسياسة, فبدل أن تكون السياسة تابعة للدين أصبح العكس حتى قال بعضهم , الدين يخدم السياسة ..
وإذا كان المعطلة من جهمية ومعتزلة وأشعرية وغيرهم قد أوّلوا آيات وأحاديث الصفات وحرفوها إلى أصولهم