عن الاختلاف في مثل هذه الأحاديث من تفضيل الصلاة مرة و تفضيل البر أخرى أو الجهاد ملخصها:
1 -اختلاف أحوال السائلين بأن أجاب كل قوم بما يناسبهم.
2 -اختلاف الأوقات بأن يكون هذا العمل في ذلك الوقت أفضل من غيره. ... 3 - أن المراد الفضل المطلق , أو أنه من أفضل الأعمال.
ولعل الأقرب والله أعلم أنه إذا تعين الجهاد فهو أفضل وإذا كان على الكفاية فبر الوالدين أفضل توفيقًا بين الأحاديث , فقد قال الإمام الشوكاني بعد ذكر هذه الأجوبة: المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض عين لأنه لا يتوقف على إذن الوالدين , فيكون برّهما مقدمًا عليه ا. هـ
وبعد أن عرفنا حكم استئذان الوالدين فيحسن أن نتبعها بمسائل أخرى في باب الاستئذان يقع فيها الإشكال كذلك وهي مسألة استئذان صاحب الدين ومسألة استئذان ولى الأمر أو الحاكم.
أولًا: مسألة استئذان صاحب الدين: ـ
قال بعض أهل العلم يجب استئذان صاحب الدين وعمدتهم في ذلك حديث عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة أنه سمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قام فيهم فذكر لهم (أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال) فقام رجل فقال يا رسول الله , أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم (نعم , إن قتلت في سبيل الله , وأنت صابر محتسب , مقبل غير مدبر) ثم قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (كيف قلت) قال أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم (نعم , إن قتلت في سبيل الله , وأنت صابر محتسب , مقبل غير مدبر , إلا الدين , فإن جبريل قال لي ذلك) رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي. ومثله حديث عبد الله بن عمرو (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين) رواه مسلم.
وللجواب عن أدلة الموجبين نقول:
أولا: أن الوعيد المذكور في الأحاديث خاص بمن كان يستطيع الوفاء بدينه ولم يف به فقد صحت زيادة عند الإمام أحمد وعند البزار كذلك أنه قال (فلما ولى دعاه فقال , إلا أن يكون عليك دين ليس له وفاء) قال الهيثمي: وإسناد أحمد حسن. قال الإمام القرطبي رحمه الله: الدين الذي يحبس به صاحبه عن الجنة - والله أعلم - هو الذي قد ترك له وفاء ولم يوصي به , أو قدر على الأداء ولم يؤده , أو أدانه - استدانه - في سرف أو في سفه ومات ولم يوفه. وأما من أدان في حق واجب لفاقة أو عسر ومات ولم يترك وفاء فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله ا. هـ
وقد أفتى ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (4/ 183) بأن ينظر المدين , فإن لم يكن معه سداد دينه فإنه ينفر ولا ينتظر قضاء الدين ا. هـ
ويؤيد هذا ما في الصحيحين وأحمد من حديث أبي هريرة أن النبي صلي الله عليه وسلم قال (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله) وما رواه النسائي وابن ماجة عن أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها قالت: إني سمعت نبي وخليلي صلي الله عليه وسلم يقول (ما من مسلم يدان دينًا يعلم الله منه أنه يريد أداءه إلا أداه الله عنه في الدنيا) ففي هذين الحديثين ما يدل على اعتبار النية الصادقة في الأداء وأن الله يؤدي عن صاحبها فيرجى أن لا يتناوله الوعيد السابق وقد قال تعالي {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} ولهذا قيد العلماء