الصفحة 28 من 132

أما الخروج للجهاد فهذا يختلف حكمه مع اختلاف فرضية الجهاد , فإذا كان الجهاد فرض عين وجب النفير على كل قادر عليه ولا يستطيع الوالدان أو أحدهما منع الولد من الخروج بل ولا يحل لهما ذلك.

أما إذا كان الجهاد فرض كفاية يقوم به من الأمة من يكفي لدحر العدو فهذا هو الذي يُستأذن فيه الوالدان والغريم وهذا هو الذي يُحمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم للذي استأذنه في الخروج للجهاد (أحي والداك؟ قال نعم قال ارجع ففيهما فجاهد) ا. هـ.

قلت (وإذا تعين الجهاد يسقط إذن الوالدين لما روى ابن حبان في صحيحة من طريق عبد الله بن عمر جاء رجل إلي النبي صلي الله عليه وسلم فسأله عن أفضل الأعمال قال: الصلاة قال: ثم مه؟ قال الجهاد قال: فإن لي والدين فقال: آمرك بوالديك خيرا فقال: والذي بعثك بالحق نبيا لأجاهدن ولأتركنهما قال: فأنت أعلم) قال الحافظ وهو محمول على فرض العين توفيقًا بين الحديثين وحسنه رحمه الله كما في فتح الباري (6/ 198)

وهو قول الشوكاني في نيل الأوطار كتاب الجهاد والشيخ عبد الله عزام في كتاب الدفاع عن أراضي المسلمين وأختاره كذلك الإمام العلامة حمود العقلاء رحم الله الجميع في فتوى عن حكم الجهاد واستئذان الوالدين , وغيرهم من أهل العلم. وقد نقل الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حزم وغيرهما على أنه لا يستأذن في الجهاد إذا تعين , وكما في القاعدة الأصولية: لا إستأذان في فروض الأعيان.

مسألة: فإن قيل: برّ الوالدين فرض عين أيضًا، والجهاد عند تعينه فرض عين، فهما مستويان ما وجه تقديم الجهاد؟.

فنقول أولًا: إذا تعين الجهاد صار كفرض الصلاة والصيام وطاعتهما هنا في تركه معصية لله ومخالفة لأمره , وإنما رضاهما في رضي الله فإذا عارضت طاعتهما طاعة الله قدمنا طاعة الله على طاعتهما وأمر الله على أمرهما , قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار (وهذا كله إن لم يتعين عليه الجهاد , فإذا تعين فتركه معصية , ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ا. هـ. ... ثانيًا: أن مصلحة الجهاد أعم، إذ هي لحفظ الدين والدفاع عن المسلمين، فمصلحته عامة وهي مقدمة على غيرها وهو يقدّم على مصلحة حفظ البدن.

ثالثا: وفي الحديث دلالة على عظم برّ الوالدين , وهل هو أفضل من الجهاد أم لا؟ فيه خلاف فذهب بعضهم إلى أن بر الوالدين أفضل لما تقدم واختار بعض أهل العلم أن الجهاد أفضل لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة (أي العمل أفضل قال إيمان بالله وجهاد في سبيله) وفيهما من حديث أبي سعيد الخدري (أي الناس أفضل؟ فقال صلي الله عليه وسلم: رجلٌ يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه .. الحديث) وفي الصحيحين أيضًا من حديث النعمان بن بشير (في قصة الصحابة الذين قال بعضهم أفضل العمل سقاية الحاج وقال الآخر عمارة المسجد الحرام وقال الثالث الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتما وفيه .. فأنزل الله تعالي {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن امن بالله واليوم الأخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله} .. الحديث) .

قال ابن حجر في الفتح (واستدل به على أن الجهاد أفضل الأعمال مطلقا لما تقدم تقريره وقال بن دقيق العيد القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره وإخماد الكفر ودحضه ففضيلته بحسب فضيلة ذلك والله أعلم) ا. هـ فتح الباري (6/ 5) .

وقد نقل الشوكاني في نيل الأوطار عن الحافظ في الفتح وكذا عن ابن دقيق العيد وغيرهم من أهل العلم أجوبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت