يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك بالعبادة تلعبوا.
وقال الله تعالى {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} . هذا في العبادة فكيف بمن ألهته الدنيا.
بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الإمام أحمد (سئل عن رجل قدم يريد الغزو ولم يحج فنزل على قوم ثبطوه عن الغزو وقالوا: إنك لم تحج تريد الغزو؟ قال أبو عبد الله: يغزو ولا عليه , فإن أعانه الله حج , ولا نرى بالغزو قبل الحج بأسًا. قال أبو العباس- ابن تيمية-: هذا مع أن الحج واجب على الفور عنده , لكن تأخيره لمصلحة الجهاد ... وكلام أحمد يقتضي الغزو وإن لم يبق معه مال للحج , لأنه قال فإن أعانه الله حج ... ) المستدرك على مجموع فتاوى ابن تيمية لأبن قاسم (3/ 216) .
قال الإمام العلامة حمود العقلا في فتوى عن حكم الجهاد:
(وكما تقدم أن الجهاد في سبيل الله أنواع فتارة يكون بالمال وتارة يكون باللسان وتارة يكون بالقلم وأعلى هذه الدرجات وأفضلها الجهاد بالنفس لأنه أشق على المقاتلين، وأكثر تضحية ولأنه قد تترتب عليه الشهادة ومعلوم ما أعد الله للشهداء من الأجر والثواب، ولأنه أشد نكاية بالعدو مما سواه من أنواع الجهاد، ولأن ما سواه من أنواع الجهاد مكمل له والجهاد بالنفس هو الذي يرهب العدو ويحطم معنوياته وهو الذي يتحقق به النصر غالبا وتتم به حماية حوزة المسلمين والذب عن حرماتهم وقديما قيل:
السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب (ا. هـ
قال الشيخ المجاهد الدكتور عبد الله عزام رحمه الله تعالى (لاشك أن الجهاد بالنفس أعلى مرتبة من الجهاد بالمال ولذا لم يعف الأغنياء في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم من المشاركة بأنفسهم أمثال عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما , لأن صقل النفوس وتربية الأرواح إنما تتم على مستوى رفيع في خضم المعركة , ولذا فقد أوصي صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة قائلًا( .. وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام) حديث صحيح رواه أخمد. قلت: وقال للرجل الذي استأذنه في السياحة (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله) رواه أبو داود والحاكم وابن حبان بإسناد جيد وصححه كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
ولذلك عندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيفتن المرء في قبره؟ قال (كفى ببارقة السيوف فوق رأسه فتنة) حديث صحيح رواه النسائي. ولذا فقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإنشغال بالدنيا عن الجهاد , فقد أشار ذات مرة إلى سكة محراث وقال (لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل) رواه البخاري في صحيحه , قلت: وقد بوب عليه البخاري باب: ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحد الذي أمر به.
وفي الصحيح (إذا تبايعتم بالعينة , وأخذتم أذناب البقر , ورضيتم بالزرع , وتركتم الجهاد , سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) رواه أبو داود [1] , وروى الترمذي (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا) والضيعة: هي العقار أو الحرفة.
ففي هذه الأحاديث جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم متاع الدنيا وأسباب الإنشغال: الزراعة والتجارة بالربا وحيلة العينة والإنتاج الحيواني والصناعة والحرف -الضيعة- , فالإنشغال بهذه في وقت يتعرض له المسلمون لمعركة الوجود أو الأجتثاث
(1) 1 - قلت والصواب ضعف هذا الحديث ففيه انقطاع ومجاهيل وضعفاء ضعفه الذهبي وابن حجر وغيرهم وسيأتي تخريجه في باب السبق.