فقد قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} :
وهذه الآية منسوخة بأمر الله بقتال المشركين، وإنما قلنا هي منسوخة لإجماع أهل التأويل على أن ذلك كذلك [1] .
وقال الجصاص في قوله تعالى {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعلنا لكم عليهم سبيلًا} :
ولا نعلم أحدًا من الفقهاء يحظر قتال من اعتزل قتالنا من المشركين، وإنما الخلاف في جواز ترك قتالهم لا في حظره فقد حصل الاتفاق من الجميع على نسخ حظر القتال لمن كان وصفه ما ذكرنا [2] .
وقال الشوكاني: (( أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية ... وما ورد في موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال مع ظهور القدرة عليهم والتمكن من حربهم وقصدهم إلى ديارهم ) ) [3] .
ونقل الإجماع أيضًا صديق حسن خان بنفس ألفاظ الشوكاني دون أن ينسب القول إليه [4] .
ومما ينبغي أن يعلم أن المقصود بالنسخ هنا أن قتال المشركين صار واجبًا بعد أن كان منهيًا عنه أو مأمورًا به لرد العدوان فقط، أي أن المنسوخ هو الاقتصار على الدعوة اللسانية والاقتصار على جهاد الدفع، بحيث صار قتال المشركين واجبًا وإن لم يبدؤونا بالقتال، هذا مع بقاء القتال الدفاعي وبقاء الدعوة والجدال بالتي هي أحسن كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم [5] .
قال سماحة الوالد الإمام حمود بن عقلا الشعيبي رحمه الله تعالى:
(فإن من له أدنى إلمام ومعرفة بتاريخ الدول والحكومات لا يبقى لديه شك مطلقًا في أن الجهاد بأنواعه من أعظم الوسائل بل هو أعظم الوسائل مع الإيمان بالله والتوكل عليه لحماية الأمة المسلمة ومقدساتها من تطاول الأعداء عليها وطمعهم في خيراتها.
فإن العدو إذا عرف مدى استعداد المسلمين وعرف ماهم عليه من القوة القتالية والتدريب والتأهيل فإنه يحسب لمهاجمة بلاد المسلمين ألف حساب.
والعدو الكافر يدرك ما للجهاد من آثار في تغيير ميزان المعارك التي تجري بين المسلمين وأعدائهم , ولهذا نجد الكفار باختلاف مناهجهم واتجاهاتهم يخشون الجهاد وينفرون عنه هم وعملاؤهم بكل ما يستطيعون من وسائل لأنهم يعلمون جيدًا أنهم لا يستطيعون السيطرة على الأمة إذا كانت تملك وسائل الجهاد.
ولهذا نرى الدول الكافرة ومن يدور بفلكها من الحكومات العميلة يشنون حربًا شعواء على الشباب الذين يريدون الانضمام إلى إخوانهم المقاتلين في الجبهات والثغور وإذا ظفروا بأحد منهم اعتقلوه وأودعوه في غياهب السجون مددًا طويلة يلاقي فيها شتى أنواع التعذيب والإهانة.
(1) تفسير الطبري: (25/ 144) ط دار الفكر، بيروت.
(2) أحكام القرآن (2/ 222) .
(3) السيل الجرار (4/ 518 - 519) .
(4) انظر الروضة الندية (2/ 333) .
(5) 1 - بتصرف من رسالة (مراحل تشريع الجهاد نسخ اللاحق منها للسابق) لعبد الآخر حماد الغنيمي.