نظرًا لأن فقه الغربة وأحكامها لا تتناسب مع فقه وأحكام التمكين والدولة والسلطان والفتح والطلب، حيث أن الأحكام الشرعية مبناها على القدرة الشرعية ولا يكون قادرًا شرعًا من لا يستطيع توزيع الغنيمة -كما هو واقعنا-، أو من يترتب على توزيعه للغنيمة مفسدة راجحة من تضرر الجهاد وتأخره وبالتالي احتوائه وإنهائه.
ثم إن حال المنتسبين للجماعات الجهادية في هذه الأيام هي أقرب الأحوال لحالة الارتزاق في ديوان الجند، وقد عرفت أن المرتزقة لا يُعطَون من الغنيمة بل من الفيء، نظرًا لأن تجهيزات المعركة والأفراد تقع على عاتق الدولة، ونظرًا لما تكفيهم به الدولة من رواتب.
وفي الجماعة الجهادية تتكفل الجماعة بتجهيزات المعارك والجنود كما تتكفل بمعظم حاجات الجنود خارج المعركة، بكفالات -مالية وإغاثية وإعانات للزواج والوفاة والأَسْر .. وما شابه- بشكل يقرب جدًّا من حالة رواتب المرتزقة، وإن لم تكن كذلك بالضبط -نظرًا لحالة الدفع التي تستهلك كل شيء تقريبًا-.
37)ومن الأدلة التي يمكن الاستدلال بها على عدم توزيع الغنيمة في واقع الجماعات الجهادية المعاصرة:
أ - ما سبق ذكره من تشابه حالة المنتسبين إلى الجماعات الجهادية لحالة الارتزاق من بيت المال في ديوان الجند.
ب - من رحمة الله سبحانه وتعالى بنا أنه أناط التكليف -ومنه وجوب تقسيم الغنيمة- بالاستطاعة، والمقصود بها ليس مجرد إمكانية الفعل، بل الاستطاعة -أي: القدرة الشرعية- معناها كما بينه شيخ الإسلام وابن أبي العز الحنفي وغيرهما هي: إمكانية القيام بالعمل دون ترتب ضرر شرعي أو مفسدة شرعية راجحة، فإن وُجدت المفسدة الراجحة فصاحبها غير مستطيع، وبالتالي غير مكلف، أي معذور. وتوزيع الغنائم في واقعنا من هذا الباب، حيث سيترتب على توزيعها -بالشكل الذي يرمي إليه البعض- مفسدة راجحة من تضرر الجهاد وتأخره بما يفضي غالبًا لاحتوائه وتوقفه؛ نظرًا لأن عصب الجهاد في أيامنا يقوم على أموال الغنائم، فلو قسمت على الغانمين حيث لا بيت مال، توقف الجهاد.
ج - قاعدة حفظ الضرورات الخمس (الدين والعرض والنفس والعقل والمال) ؛
وأنها عند التعارض تقدم حسب الأهمية على الترتيب السابق، فيقدم حفظ الدين على ما سواه، فكل ما يخل بحفظ الدين يترك للمحافظة على الدين، ومنه في حالتنا عدم توزيع الغنيمة؛ لأن توزيعها -وهو حق