الحالة الثانية: وهي حالة جهاد الدفع (فرض العين) : لكن في ظل وجود دولة الإسلام وداره وبيت ماله، أي وجود المركز الجغرافي والمالي الذي يصلح لانطلاق الغزوات منه لتحرير ما تسلط عليه الكفار ودهموه من أطراف بلاد المسلمين، وإن تعددت البلاد، لكن يبقى أن الدار ومقوماتها من بيت المال وغيره موجودة.
ففي هذه الحالة يبقى الحكم قائمًا من وجوب توزيع الغنيمة على ما مر قبل قليل، مع التمييز بين المرتزقة والمتطوعة، ومع التمييز بين حكم البلد الذي دهمه العدو أو احتله -فلا توزع الغنيمة فيه والله أعلم ما دام الدفع قائمًا- وبين بقية بلاد المسلمين، وهنا يمكن ملاحظة الفرق في الحكم بين بيت المال المركزي وبيت المال الفرعي لذلك الإقليم الذي دهمه أو احتله العدو.
وبالجملة فيجب توزيع الغنيمة ما أمكن ذلك، وكان بيت المال موجودًا منتظمًا ووارداته قادرة على تغطية نفقات الحرب وأكثر من صادراته، فإذا انقلب الأمر بأن صارت حاجة المعركة فوق واردات بيت المال وأكثر منه فلا توزع الغنيمة، وإنما تُرصد لحاجة المعركة وتقدم مصلحة الدين في دفع صائل الكفر وجهاده على حق الغانمين.
ويمكن للإمام في هذه الحالة أن ينظر في الأمر بحسب مصلحة الإسلام والمسلمين.
فإن رأى أن مصلحة الإسلام توجب عدم التوزيع لم يوزِّع، وهذا يُستفاد من فقه غزوة حنين، وصورتُنا أجلى وأولى من حالة حنين والله أعلم.
الحالة الثالثة: وهي حالة جهادنا الحالي ولا شك في كونها من نوع جهاد الدفع: ولكن تختلف عن سابقتها حيث سقط مركز الإسلام (دار الإسلام) ، واحتلت كل بلاد المسلمين من الكفار الأصليين أو المرتدين، وسقطت الخلافة، وتبعًا لذلك لم يبق إمام ولا خلافة ولا سلطان ولا بيت مال فضلًا عن الوارد والصادر، وامتلأت سجون الكافرين من عباد الله المؤمنين (رجالًا ونساءً) ، وقامت محاولات جهادية في غيرما قطر من أقطار المسلمين لم تفلح في الوصول لأهدافها الغائية؛ لأن الكفر برمته يقاتلنا بعد أن كبلنا بقيود ثقيلة كسايكس بيكو ووعد بلفور.
ولا زالت الجماعات الجهادية تقوم هنا وهناك محاوِلةً رفع الغربة الثانية عن أمة الإسلام، وإعادة بناء دولة الإسلام وداره (المركز) ومقوماته من وجود السلطان وبيت المال.
ففي هذه الحالة حيث لا بيت مال أصلًا -وليس مجرد كون صادراته أكبر من وارداته-، في هذه الحالة لا يُتَصور القول بوجوب تقسيم الغنيمة على ما تقتضيه آية الأنفال.