ولو ضاق المال عن إطعام جياعٍ والجهاد الذي يتضرر بتركه قدمنا الجهاد وإن مات الجياع ..
ه - ونرى أن من الأحكام التي يختلف فيها الفتح عن الدفع: وجوب تقسيم الغنيمة وما يتبع ذلك من السبي وغيره.
فإذا كان الواجب في جهاد الفتح قسمة الغنائم على الغانمين على ما فصلناه، فإن هذا يختلف في جهاد الدفع، ومنه قول الشيخ أبي قتادة:"جهادنا جهاد دفع، وأنت تعلم أن الغنائم والسبايا وأحكامها يُبحث فيها في جهاد الطلب، وليس في جهاد الدفع، وإن كان يُعمل بها في جهاد الدفع [1] ، ولكنها ليست أصلية فيه".
وسنبين مسألة توزيع الغنائم تبعًا لحالات الجهاد الثلاث التالية:
36)الجهاد كما قلنا إما فتح أو دفع، والدفع إما أن يكون عن بلد مع وجود دار الإسلام ودولته وسلطانه وبيت ماله، وإما أن يكون عن كل بلاد المسلمين المحتلة من قبل العدو حيث لا دار للإسلام ولا سلطان ولا إمام ولا خلافة ولا بيت مال -وهي حالتنا الراهنة-. فهذي ثلاث حالات لكل منها أحكامها الخاصة بها، ونحن هنا نذكر الأحكام فيما يتعلق بمسألة قسمة الغنائم:
أما الحالة الأولى: وقد مضت قبل قليل، وهي حالة جهاد الفتح والطلب (فرض الكفاية) ؛ حيث دار الإسلام آمنة، وجند الإسلام متوافرون في الثغور، والغزوات مستمرة على بلاد الكفار لضمها لبلاد الإسلام، ففي هذه الحال يكون بيت المال موجودًا ومنتظمًا من حيث الوارد والصادر، وتكون وارداته أكثر من صادراته.
ففي هذه الحالة يجب على الإمام توزيعُ الغنيمة على القاعدة القرآنية؛ خمس لمن ذكرتهم آية الأنفال، والأخماس الأربعة الباقية للغانمين -للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم واحد- على ما فصلناه سابقًا. هذا إن كان تجهيز المعركة يقع على عاتق الغازين، أما إن كان يقع على عاتق دولة الإسلام ولهم رواتب في ديوان الجند فلا حظ لهم في الغنيمة، وإن كان هناك متطوعة ومرتزقة -كما هو الحال في معظم أعصار الخلافة منذ استحدث الفاروق ديوان الجند-، فهنا يعطى المتطوعة نصيبهم من الغنيمة، ويعطى المرتزقة راتبهم من بيت المال من الفيء.
(1) تبعًا لإمكان ذلك شرعًا بما لا يترتب عليه مفسدة راجحة، والله أعلم.