ومن البدهي القول هنا بأن هذه الجماعة التي ينحاز وينضم إليها المتحيزُ هي جماعة من المسلمين غير الجماعة المقابلة للعدو قال ابن كثير رحمه الله:"قوله"أو متحيزًا إلى فئة"أي فرَّ من ها هنا إلى فئة أخرى من المسلمين يعاونهم ويعاونوه فيجوز له ذلك حتى لو كان في سرية ففر إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم دخل هذه الرخصة."كما في تفسيره فيصح التحيز ولو كان من شرق الأرض إلى غربها خلافًا لمن قيده بالفئة القريبة والمتحيز والمتحرِّف يتضمن ذلك منه العزم على العود إلى القتال والرخصة منوطة بعزمه ولا يمكن مخادعة الله تعالى بالعزم كما قرر ذلك النووي في روضة الطالبين وقد نص الفقهاء على أن المتحيز لا يلزمه العود ليقاتل مع الفئة المتحيز إليها إلا أنها قيدت بأن هذا الكلام فيمن تحرف أو تحيز بقصد العود للقتال ثم طرأ له عدم العود أما جعله وسيلة لذلك فشديد الإثم وأيضًا هذا مقيد بعدم كون الجهاد في حقه بعد التحيز فرض عين كما في قتال الدفع فتنبه لذلك فإنه مهم
وأيضًا يشرع الانهزام أمام العدو في القتال بغير نية التحرُّف لقتال أو التحيز إلى فئة إن كان العدو أكثر من ضعف عدد المسلمين قال تعالى:"يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين"وهذا أمر بلفظ الخبر لأنه لو كان خبرًا محضًا لم يقع الخبر بخلاف المخبر وهو محال والتخفيف في هذه الآية المراد به التكليف بالأخف لا رفع الحكم أصلًا كما قرر ذلك ابن حجر في الفتح وقد أخرج البخاري عن ابن عباس قوله:"لما نزلت"إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين"فكتبت أن لا يفر مائة من مائتين فإذا كانوا على الشطر من عددهم لم يسغ لهم أن يفروا من أمامه وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم القتال وجاز لهم أن يتحوزا عنهم. وهذا القول مروي عن جماهير السلف فلا يعتبر الذي يفرمن ثلاثة وهو وحده أنه فارٌّ من الزحف أما إذا كانوا اثنين وفر فهو مرتكب لكبيرة ألا وهي الفرار من الزحف وهنا نضيف أن بعض المالكية ذهبوا خلافًا لمشهور المذهب وخلافًا لما عليه الجمهور إلى أن المعتبر هنا هو القوة لا العدد وتعليق المسألة بالقوة غير سديد البتة فمع مخالفته لظاهر القرآن فإن"القوة"هنا وصف غير ظاهر كما أنه وصف غير منضبط إلا نادرًا والأحكام لا تناط بالأوصاف غير الظاهرة غير المنضبطة وأما النادر فلا يصلح لبناء الحكم العام عليه وهذا ظاهر ومع هذا فإنا نقول بجواز انهزام الطائفة أو الفئة من المسلمين من أمام العدو إن كان العدو ضعفهم أو أقل بل لو كان المسلمون أكثر عددًا من العدو إن كان العدو أقوى منهم عدة وسلاحًا بصورة ظاهرة وتحقق الضرر بالمسلمين شريطة أن يكون هذا الإنهزام بنية التحيز إلى فئة وإن كانت بعيدة هذا وقد ذهب بعض أهل العلم بناءًا على حديث ابن عباس:"... ولن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة."إلى"