ـ مبنى الاختيار في الأسرى على تحقيق مصلحة الإسلام والمسلمين وسبق معنا تقريرُ هذا الأصل ويجوز قتل الأسير قبل أن يراه الإمام أو نائبه إذا امتنع الأسير عن السير معه ولا يمكنه إكراهه بضرب وغيره وإن خاف هربه أو خاف أن يغدر به فهذه الشروط هي المعتبرة عند عامة أهل العلم ويُقتل وإن كان جريحًا لا يستطيع أن يسير معه فإن قتل أسيره أو أسير غيره قبلَ ذلك أساء ولم يلزمه ضمانه وبهذا قال الشافعي أما إن قتل امرأة أو صبيًا غرمه لأنه صار رقيقًا بنفس السبي.
ـ قتل الجمع الغفير والعدد الكثير والطائفة من الأسرى إذا استسلموا لحكم المسلمين
و عمدة هذا القول قصة سعد ابن معاذ عندما حكم في بني قريظة أن تسبى نساؤهم وذراريهم وتقتل محاربتهم وتقسم أموالهم فحكم بحكم الله فيهم ودلالة الحديث أظهر من الشمس في رابعة النهار وبعض أهل العلم كابن قدامة المقدسي وضع صفات للحاكم الذي يجوز أن ينزل الأسرى والجمع الغفير على حكمه وعدها من الشروط منها: أن يكون حرًا بالغًا مسلمًا عاقلًا ذكرًا عدلًا فقيهًا ويجوز أن يكون أعمى لأن عدم البصر لا يضر في مسألتنا لأن المقصود رأيه
ووضع أيضًا صفة للحكم الصادر: أن يكون الأحظ للمسلمين سواء حكم كحكم سعد أو اختار المنَّ عليهم؛ وهذه المسألة مطروحة في الكفار الأصليين دون المرتدين فالمرتدين قد قام الإجماع على عدم إقرارهم على ردتهم وأيضًا قام الإجماع على وجوب قتل المرتد كما نقله ابن قدامة المقدسي في المغني وغيره من أهل العلم فليس للمرتد إلا الإسلام أو السيف وإن ها هنا أمرًا هامًا يجب التفطن إليه وهو أن إسلام المرتد لا يتحقق إلا برجوعه عما ارتد به فالقاعدة هنا أن الباب الذي خرج منه هو الباب الذي يرجع منه لا غير مع إعادته للشهادتين على الصحيح وهذا مما لا خلاف فيه وقد قال القرطبي في تفسيره:"قاتلوا أهل الردة حتى أدخلوهم من الباب الذي خرجوا منه."
وهذا ما قرره جمهور العلماء فظهر لنا بذلك أن الأسير من الكفار المرتدين لا يعصم دمه بتلفظه بالشهادتين أو إظهاره لغير ذلك من شعائر الإسلام كالصلاة وغيرها ما لم يرجع عما ارتد به هذا وقد اتفق أئمة المسلمين كافة على أن الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام تقاتل على امتنعت عنه ولا يعصم دمها إظهارها الإسلام فإن كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى والقول أن المرتد لو تاب بعد القدرة عليه صحت توبته وحرم قتله هذا يكون في الردة المجردة عن الحرابة أما الردة المغلظة بالحرابة فيجوز قتل صاحبها وإن أظهر التوبة. ولذا أمر النبي ? بقتل كل من قيس بن صبابة وابن خطل وعبد الله بن أبي السرح وكما قتل العرانيين قبل أن يتقدم إليهم بالاستتابة.