الصفحة 22 من 31

بتعرض إليه وأما منع معاقبة حاطب فإنه يرجع لشهوده بدرًا وما أدراك ما بدر وذلك أنه يشرع معاقبة كل من ترك واجبًا أو فعل محرمًا بالإطلاق فإن كان لفعله عقوبة حدية وهي المقدرة من قبل الشرع فيجب إقامة الحد وإن لم يكن لفعله عقوبة مقدرة في الشرع فيشرع التعزير والذي يتدرج من التوبيخ إلى القتل بقدر ما يحسم به الضرر مع جواز العفو والمسامحة بحسب ما يراه الأمير"ولي الأمر"قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وهذا أصل أصيل متفق عليه أن كل من فعل محرمًا أو ترك واجبًا استحق العقوبة فإن لم تكن مقدرة في الشرع كان تعزيرًا يجتهد فيه ولي الأمر"أ. هـ كما في مجموع الفتاوى ومما يدل أيضًا على أن فعل حاطب كفر مخرج من الملة هو أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- بعد أن قال حاطب رضي الله عنه ما قال وقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -"إنه قد صدق ولا تقولوا له إلا خيرًا"قال:"دعني أضرب رأس هذا المنافق"إلى غيرها من الألفاظ التي وردت في الكثير من الروايات التي تؤكد أن"عمر بن الخطاب"كان مستقرًا عنده هذا الحكم وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذا الحكم وإنما اعتذر لحاطب بعذر مانع من القتل منتفي في غيره ولو كان الإسلام مانعًا من قتله لم يعلل بأخص منه لأن الحكم إذا علل بالأعم كان الأخص عديم التأثير كما قرر ذلك ابن القيم في"زاد المعاد"والحق أنه -أي"الجاسوس"- يقتل قبل إظهار التوبة ردة بعد ثبوت شروط الحكم بالردة وانتفاء موانعه إن كان مقدورًا عليه فأما إن كان ممتنعًا فيقتل مطلقًا فإن أظهر التوبة بعد الإطلاع عليه: قتل وأمره إلى الله كما نُصَّ عليه في النقولات السابقة مع جواز العفو عنه عند ظهور المصلحة الشرعية.

وذهب بعض أهل البدع والأهواء: إلى أن مناصرة المشركين ومظاهرتهم _ومن ذلك التجسس_: لا تكون كفرًا أكبر مخرجًا من الملة إلا إذا كانت عن فساد اعتقاد؛ بأن كانت حبًا للكفر وأهله أو رغبة في انتصار الكفر وعلو كلمته على الإسلام أو كرهًا للإسلام أما إن تجردت مناصرة المشركين ومظاهرتهم من هذه النيات والمقاصد السابقة ولم تكن إلا لتحقيق غرض دنيوي من جلب نفع أو دفع ضر فهي ليست بكفر أكبر مخرج من الملة وإن كانت من كبائر الذنوب والمعاصي.!!

فهذا القول أيًا من كان قائله مردود بيقين ويكفيه أنه مخالف لأهل السنة والرد عليه يكون بما سبق معنا من النصوص وأيضًا نقول: إن الذنوب والمعاصي الظاهرة عند أهل السنة إجمالًا على قسمين: ذنوب مكفرة وذنوب غير مكفرة أما الأولى فهي كفر بذاتها وإن لم يصاحبها كفر بالقلب أما الثانية فهي التي لا تكون كفرًا إلا بكفر القلب؛ فالكفر كما يكون بالقلب يكون بمجرد القول أو العمل بلا فرق فهذا أصل فارق بين أهل السنة وبين أهل التجهم والإرجاء من جهة أخرى

وثانيًا في نقض قولهم أن الأصول الراسخة التي يقوم عليها الشرع: كون الأحكام تجري في الدنيا على الظاهر دون الباطن فالظاهر وحده هو محل إجراء الأحكام إذ لا سبيل البتة لمعرفة ما في الباطن كما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت