فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 109

ومَعَ ذا إلَّا أنَّا نَقُولُ: لا يَنبَغِي عَمَلُ مَا لا فَائدَةَ فِيه، أو الإقدَامُ عَلَى عَمَلٍ تَقْصُرُ الفَائدَةُ عَلَى النَّفْسِ مَعَ إمكَانِ تَعدِّيهَا، فَلا يُقدِمُ المُجَاهِدُ عَلَى عَمَلٍ ما مُقتَصِرًَا عَلَى طَلَبِ الشَّهَادَةِ مَعَ إمكَانِهِ إفَادَةَ المسلِمِينَ والمجاهِدِينَ.

-ومما يَدلُّ على مَشروعِيَّةِ (الانغِمَاسِ) :

1 -قولُ اللهِ تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [1] (.

ففي مُصَنَّفِ ابنِ أبي شَيْبَةَ: عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: جَاءَتْ كَتِيبَةٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مِنْ كَتَائِبِ الْكُفَّارِ، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَخَرَقَ الصَّفَّ حَتَّى خَرَجَ، ثُمَّ كَبَّرَ رَاجِعًا فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاَثًا فَإِذَا سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ , فَذُكِرَ ذَلِكَ لأَبِي هُرَيْرَةَ، فَتَلاَ هَذِهِ الآيَةَ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ [2] .

وهذا يَدلُّ دَلالةً واضِحَةً على فَهمِ الصَّحَابَةِ لهذه الآيَةِ، حيثُ حَمَلَهَا كَثِيرٌ منهم عَلَى المُنْغَمِسِ في العَدوِّ.

2 -ما رواه مُسلِمٌ في صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أنسِ بنِ مَالكٍ - رضي الله عنه - وفيه: فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( لاَ يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَىْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ ) )، فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ ) )، قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الأَنْصَارِىُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ؟ قَالَ: (( نَعَمْ ) )قَالَ: بَخٍ بَخٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ ) )، قَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: (( فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا ) )، فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرْنِهِ، فَجَعَلَ يَاكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَال: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِى هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ [3] .

قالَ النَّوَوِيُّ - رحمه الله:"فِيهِ جَوَازُ الِانْغِمَاس فِي الْكُفَّارِ وَالتَّعَرُّض لِلشَّهَادَةِ، وَهُوَ جَائِز بِلَا كَرَاهَة عِنْد جَمَاهِير الْعُلَمَاء" [4] .

3 -وما رواهُ أيضًا عَن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (( مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ؛ يَبْتَغِى الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ ) ) [5] .

(1) البقرة (207) .

(4) شرح صحيح مسلم (13/ 46) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت