فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 109

لم أرَ في نُصُوصِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ ما يَدلُّ على اشتِراطِهِ، بل ما جاء يَدلُّ على خلافِهِ [1] ، وكذا لم أقِف على قَولٍ لأحدٍ من الفقهاءِ يَشرِطُ فيه ذلك، ومما يَدلُّ على عَدمِ اشتِراطِ وجودِ الإمَامِ لقِتَالِ الكفَّارِ:

1 -قصةُ أبي بصيرٍ، وهي - كما في صحيحِ البخاريِّ: لما رَجَعَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ جَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ، رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِى طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: الْعَهْدَ الَّذِى جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَاكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ، لأحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّى لأرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلانُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ، فَقَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ، ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِى، أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ وَفَرَّ الآخَرُ، حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: حِينَ رَآهُ لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِى، وَإِنِّى لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ، فَقَالَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ قَدْ رَدَدْتَنِى إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِى اللَّهُ مِنْهُمْ، قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ، قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِى بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلا لَحِقَ بِأَبِى بَصِيرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ إِلا اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ، لَمَّا أَرْسَلَ فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَأَرْسَلَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ (إِلَى (الْجَاهِلِيَّةِ (وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِىُّ اللَّهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِـ (بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (وَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ [2] .

ووجهُ الاستِدلالِ: أنَّ أبا بَصِيرٍ قاتَلَ المُشرِكِينَ معَ أنَّه لم يكُن تحتَ رايةِ إمامٍ، وتَصرَّف وحدَهُ، وقتاله للمشركين كان مرةً دفاعًا عن نفسه ومراتٍ ابتِداءً، ومع ذلك أقرَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولم ينكرْ عليه، فدلَّ دلالةً واضحةً على عدمِ اشتراطِ وجودِ الإمام لقِتَالِ الكُفار لا ابتداءً ولا دَفْعًا.

قال الشَّيخُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ حسَنِ بنِ محمَّد بنِ عبدِ الوهَّابِ في ردِّهِ على مَن قالَ (أنَّه لا جِهَادَ إلا مَعَ إمامٍ) :"بأيِّ كِتَابٍ، أم بأيَّةِ حُجَّةِ، أنَّ الجِهَادَ لا يَجِبُ إلا مَعَ إمَامٍ مُتَّبَعٍ؟! هذا مِن الفِريَةِ في الدِّينِ، والعُدُولِ عن سبيلِ المؤمنين، والأدِلَّةُ على إبطالِ هذا القولِ أشهرُ مِن أنْ تُذكرَ .. ففي الحدِيثِ (( لا تَزالُ طائفةٌ ) ).. وأقوالُ أهلِ العِلمِ بالأدلةِ والآثارِ"

(1) الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، محمد هيكل (2/ 871) .

(2) (2731 - 2732) من حديث الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ الطويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت