الصفحة 26 من 32

بعدما أتممنا وقفاتنا الإيمانية على بنود بيعة العقبة الثانية/الثالثة، وبعدما توصلنا إلى قناعة راسخة بضرورة تجديد هذه البيعة في حياة كل مسلم، سواء على مستوى الالتزام العام بالإسلام أو على مستوى التزامه بتنظيم أو تجمع إيماني معين، نقف اليوم في هذا المقال الأخير، لنذكر أنفسنا بتبعات ومتطلبات هذه البيعة المتجددة، تبعات القيادة والقاعدة على حد سواء.

فبعدما عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بنود هذه البيعة على الأنصار، جاء في رواية كعب التي رواها ابن إسحاق:".. فأخذ بيده البراء بن معرور ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيًا لنَمْنَعَنَّكَ مما نمنع منه أزرنا (نساءنا) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحرب، وأبناء الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر. فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال فتبسم رسول الله .. ثم قال: بل الدم الدم والهدم والهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم". [1]

وفي رواية جابر قال: فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغر السبعين، فقال: رويدًا يا أهل يثرب إنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة، فهو أعذر لكم عند الله، فقالوا: يا أسعد أمط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها". [2] "

كانت هذه هي الأجواء العامة لهذه البيعة، وأهم المشاهد التي كونت هذا الحدث العظيم، والذي يتكرر مرات ومرات في كل زمان ومكان يوجد فيه تجمع إيماني قام لإحياء معالم هذا الدين من جديد في نفوس أعضائه وفي واقعه. وكم تزعزع هذه المشاهد كياني وتجعلني أقف مشدوهًا أقرأ معاني وعبر كثيرة، من حق كل مسلم أن يستشعرها ويستحضرها في نفسه. فحينما أتخيل شخصيات هذا الحدث العظيم، أدرك عظمة هذا الدين وعظمة مُنْزِله، فعظمته تتجلى في منهجه وفي الأشخاص الذين حملوا مشعله قولًا وعملًا حتى وصل إلينا كالمحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ولا يتنكبها إلا ضال، وأتذكر قول رسول الله: لقد اطلع الله على قلوب البشر فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاختاره

(1) السيرة النبوية لابن هشام ج2 ص85.

(2) الرحيق المختوم ص167 و168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت