لَهُمْ [1] . فبين الله سبحانه أن ترك المنافقين إعداد العدة كان بسابق الخذلان القدري لهم منه سبحانه، وأن هذا كان رحمة منه سبحانه للمؤمنين الصادقين فلو خرج معهم هؤلاء المنافقون لما كان منهم إلا الإفساد والفتن، خاصة وأن بعض المؤمنين يُحسنون الظن بهؤلاء المنافقين {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} فينشأ من هذا فساد كبير. هذا فيما يتعلق بالإعداد المادي.
أما الإعداد الإيماني (التربية) فلا منه أيضا، وقد سبق ذكر أدلته في هذا الفصل بما يغني عن الإعادة، وهذا الإعداد في غاية التشعب بعدد شعب الإيمان الظاهر منها والباطن، العلمي منها والعملي، وله أثر مباشر في النصر أو الخذلان القدري كما سبق في الأصول الخمسة ولكن هناك بعض التحفظات فيما يتعلق بالإعداد وهي:
? ألا تُحْمَل آية الإعداد بالأنفال على التربية، فقد ورد تفسيرها مرفوعا بما يُبْطِل تأويلها، أما التربية فلها أدلة أخر سبق بيانها. وأقبح من هذا من يُقْصِر الإعداد على الإيماني دون المادي، فهذا مكذب بآيات الله.
? ألا تتخذ التربية ذريعة للقعود عن الجهاد، خاصة الجهاد العيني (فرض عين) ، وهذا هو أهم التحفظات فيما يتعلق بالتربية. وهذا يحملنا إلى الشق الثاني من هذا التنبيه.
ثانيا: هل العدالة من شروط وجوب الجهاد؟
فالذين يقولون لا نجاهد حتى نستوفي التربية الإيمانية، نسألهم سؤالين:
السؤال الأول: هل الغرض من هذه التربية الوصول بالفرد المسلم إلى مرتبة العدالة الشرعية أم إلى مرتبة أعلى؟.
السؤال الثاني: هل العدالة من شروط وجوب الجهاد؟ بمعنى أنه هل لا يجوز للمسلم أن يجاهد حتى يكون عدلا؟ وهل يسقط وجوب الجهاد عن الفاسق؟.
ونذكر أولا تعريف العدالة فنقول: [هي استواء أحوالِه في دينه، وقيل من لم تظهر منه رِيبة ... ويعتبر لها شيئان: 1 = الصلاح في الدين وهو أداء الفرائض برواتبها، واجتناب المحرم بأن لا يأتي كبيرة ولا يُدمن على صغيرة. 2 = استعمال المروءة بفعل ما يُجَمِّله ويُزَيِّنه وترك ما يدنسه ويشينه] [2] .
ثم نذكر شروط وجوب الجهاد ـ وقد سبقت في الملحق السابق ـ وهي (الإسلام والبلوغ والعقل والذكورية والسلامة من الضرر والحرية ووجود النفقة وإذن الوالدين وإذن الدائن) [3] ، وهذا في الجهاد الكفائي أما العيني فالشروط هي الخمسة الأُوَل فقط. وكما ترى فإن العدالة ليست من هذه الشروط.
فإذا ثبت أن العدالة ليست شرطا لوجوب الجهاد، سقط قول من يقول لابد من التربية للوصول بالمسلم إلى رتبة العدالة قبل أن يجاهد، وبالتالي يسقط قول من يشترط رتبة أعلى من العدالة.
(1) - سورة التوبة، الآيتان: 46 ـ 47.
(2) - منار السبيل شرح الدليل ط المكتب الإسلامي 1404هـ ج 2 ص 487، 488
(3) - المغني والشرح الكبير ج 10 ص 366، 381، 384