ب = اكتمال الشريعة وكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد بَلَّغها كاملة معناه أنه لا يوجد في هذا الدين علم باطن خلاف الظاهر، أو حقيقة خلاف الشريعة، وفي هذا إبطال لكافة المذاهب والتأويلات الباطنية مما يذهب إليه الملاحدة من الإسماعيلية وبعض الصوفية وغيرهم، كمن يقول إن الصلاة ليست هي الركوع والسجود والقراءة بل شيء آخر، وأن الجنة والنار ما هي إلا رموز، وهكذا سائر الشريعة، قال ابن تيمية رحمه الله: [فإن هذا العلم الباطن الذي ادعوه هو كفر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى، بل أكثر المشركين على أنه كفر أيضا، فإن مضمونه أن للكتب الإلهية بواطن تخالف المعلوم عند المؤمنين في الأوامر والنواهي والأخبار] [1] .
ج = اكتمال الشريعة وكمالها يعني تنزيهها عن التناقض والتضارب قال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [2] ، وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [3] ، وقد ترد بعض النصوص متعارضة في الظاهر، فهذه يفسرها أهل العلم بتنزيل كل نص منزله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا بَل يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ» [4] . وقد ذكر أحمد بن حنبل رحمه الله طائفة من النصوص التي ظاهرها التعارض وبين كيفية توجيهها في كتابه (الرد على الزنادقة والجهمية) ، وكذلك فعل الشاطبي في أواخر الجزء الثاني من كتابه (الاعتصام) ، وفي كتب أصول الفقه تجد بابا مستقلا في (تعارض الأدلة الشرعية) .
د = اكتمال الشريعة معناه أنه ما من أمر إلا وللشريعة فيه حكم بالأمر أو بالنهي أو بالإباحة، وقد يكون حكم هذا الأمر مفصلا أو مندرجا تحت قاعدة كلية، والجهل بالحكم لا يعني عدم اكتمال الشريعة، بل يعني أن الباحث عن هذا الحكم عجز عن التوصل إليه فينبغي عليه أن يسأل من هو أعلم منه.
هـ - اكتمال الشريعة معناه استغناؤها عما عداها من الديانات السابقة المنسوخة أو الأوضاع البشرية كالقوانين الوضعية ونحوها، فمن ادعى أن المسلمين بحاجة إلى شيء من هذه القوانين فهو كافر بالله العظيم لتكذيبه بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وبقوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [5] ، ومثله في الكفر من ادعى حاجة المسلمين إلى الديمقراطية أو الاشتراكية أو غيرها من المذاهب الكفرية التي عاش المسلمون أربعة عشر قرنا في غناء عنها، وقامت فيهم خلافة النبوة ثم المماليك الإسلامية العظيمة مستغنية عن هذه المذاهب الكفرية وبمعزل عنها، وكان الخلفاء يسوسون بلادا ممتدة من غرب الصين إلى الأندلس تضم شعوبا شتى وأجناسا مختلفة، يحكمونهم بشرع الله
(1) - مجموع الفتاوى 35/ 132
(2) - سورة النساء، الآية: 82
(3) - سورة فصلت، الآيتان: 41 ـ 42
(4) - رواه أحمد والبغوي عن عبد الله بن عمرو، وصححه الشيخ الألباني في شرح العقيدة الطحاوية.
(5) - مريم، الآية 64