من محمد بن عبد اللطيف , إلى جناب: الإخوان الكرام من أهل الأرطاوية , سلمهم الله تعالى , وتولاهم , وأصلح أحوالهم وعافهم , سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,.
أما بعد: فأوصياكم ونفسي بتقوى الله تعالى , ولزوم طاعته، وتقديم كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - على ما عداهما , فإن من ظفر بهما فقد نجا , ومن تركهما فقد ضل وغوى. ط
وأوصيكم أيضًا: بالبصيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , فإذا أمر الإنسان بأمر من أمور الخير نظر , فإن كان يترتب على ذلك الأمر خير في العاجل والآجل , وسلامة في الدين وكان الأصلح الأمر به , مضى فيه بعلم وحلم ونية صالحة , فإن كان يترتب على ذلك الأمر: شر وفتن وتفريق كلمة , في العاجل والآجل , ومضرة في الدين والدنيا , وكان الصلاح في تركه، وجب تركه ولم يأمر به , لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
وأيضًا: ينبغي لمن قصده الخير والدعوة إلى الله , التوقع في الأمور والتثبيت , وعدم الطيش والعجلة , والحرص على الرفق والملاطفة في الدعوة , فإن في ذلك خيرًا كثيرًا, وينبغي له أن يعرف من له قدم صدق ومعرفة راسخة , فيسأله و يستفتيه , ولا ينظر إلى الأشخاص , ولا من ليس له بصيرة.
وهجران أهل المعاصي: يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان , وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , لا يستقيم إلا بالبصيرة , والمعرفة التامة؛ وأقل الأحوال ,- إذا لم يحصل للعبد ذلك - أن يقتصر على نفسه , كما قال - صلى الله عليه وسلم: إذا رأيت شحًا مطاعًا , وهوى متبعًا , ودنيا مؤثرة , وإعجاب كل ذي رأي برأيه , فعليك بخاصة نفسك.
فإذا رأى الإنسان من يعمل شيئًا من المعاصي، أبغضه على ما فيه من الشر , وأجبه على ما فيه من الخير، ولا يجعل بغضه على ما معه من الشر قاطعًا، وقاضيًا على ما معه من الخير فلا يحبه، بل إن كان بغضه له يزجره، ويزجر أمثاله عن هذه المعصية مثلًا , هجره وأبغضه , وإن كان لا يزجره ذلك , ولا يرتدع هو وأمثاله , راعي ما فيه الأصلح , لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هجر من علم أن الهجر يزجره ويردعه، وقبل معذرة من علم أن الهجر لا ينجح فيه شيئًا , ووكل سرائرهم وبلزوم هذه الطريقة مع النية الصالحة , تندفع المضار، وتأتلف القلوب , ويكون على الآمر والناهي الوقار والمحبة , والله الموفق الهادي للصواب؛ فاجتهدوا فيما يعود نفعه عليكم في الدنيا والآخرة , واعلموا: أنه لا ينجي عند اختلاف الناس، وكثرة الفتن، إلا البصيرة؛ وليس كل من انتسب إلى العلم، و تزيا بزيه , يسأل ويستفتي و تأمنونه على دينكم.