اللاعنون [البقرة: 159] . وقال تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيس بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} [المائدة: 78 - 79] .
وقد سمعتم فيما يتلى عليكم من حلول العقوبات، عند ظهور المنكرات، ولكن قد فتح الشيطان لكثير من الناس أبوابًا من الشر، في إسقاط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألقاه على أناس فيهم شبهة دين، حتى اعتقدوها أعذارًا لهم، وإنما هي من زخارف الشيطان؛ ولكن إذا تبين: أن الزاني والسارق وشارب الخمر، أحسن حالًا عند الله من هؤلاء الجنس، فهذا كاف في شناعة مذهبهم وسوء منقلبهم، فنسأل الله العفو والعافية.
ومما ينبغي أن يعلم: أن العقل على ثلاثة أنواع، عقل غريزي، وعقل إيماني مستفاد من مشكاة النبوة، وعقل نفاقي شيطاني، يظن أربابه أنهم على شيء، وهذا العقل هو حظ كثير من الناس بل أكثرهم، وهو عين الهلاك، وثمرة النفاق؛ فإن أربابه يرون أن العقل إرضاء الناس جميعهم، وعدم مخالفتهم في أغراضهم وشهواتهم، واستجلاب مودتهم، ويقولن: صلح نفسك بالدخول مع الناس، ولا تبغض نفسك عندهم، وهذا هو إفساد النفس، وهلاكها من أربعة أمور.
أحدها: أن فاعل ذلك قد التمس رضا الناس بسخط الله، وصار الخلق في نفسه أجل من الله؛ ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، فقد جاء أن الله تعالى يقول: (( إذ غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد ) ).
فإذا ترك القادر المعروف فلم يأمر به، والمنكر فلم ينه عنه، فقد تسبب أن الله يلعنه لعنة تبلغ السابع من ولده، ومصداق ذلك قوله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيس بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} فقد ظهر: أن هذا المداهن، قد أفسد نفسه من حيث يظن أنه يصلحها.
الثاني: أن المداهن، لا بد أن يفتح الله له بابًا من الذل والهوان من حيث طلب العز؛ وقد قال بعد السلف: من ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مخافة المخلوقين، نزعت منه الطاعة، فلو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخف بحقه، فكما هان عليه أمر الله، أهانه الله وأذله {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] .