الصفحة 40 من 461

الثالث: أنها إذا نزلت العقوبات، فالمداهن داخل فيها، كما في قوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] وفي المسند والسنن عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال - صلى الله عليه وسلم: (( إن من كان قبلكم إذا عمل العامل بالخطيئة، جاءه الناهي تعذيرًا إليه، فإذا كان الغد جالسه، وواكله وشاربه، كأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم {على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} ، (( والذي نفس محمد بيده لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، و لتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليعنكم كما لعنهم ) )< تقدم من ضعفه >.

وذكر ابن أبي الدنيا: عن وهب بن منبه، قال: لما أصاب داود الخطيئة، قال يا رب اغفر لي، قال قد غفرتها لك، وألزمت عارها بني إسرائيل، قال لم يا رب؟ كيف - وأنت الحكم لا تظلم أحدًا - أنا أعمل الخطيئة، وتلزم عارها غيري؟! فأوحى الله إليه: أنك لما عملت لم يعيبوا عليك بالإنكار.

وذكر ابن أبي الدنيا: أن الله أوحى إلى يوشع بن نون، إني مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم، وستين ألفًًا من شرارهم، قال يا رب: هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يواكلونهم ويشاربونهم؛ وذكر ابن عبد البر وغيره: أن الله تعالى أمر ملكًا من الملائكة، أن يخسف بقرية، فقال يا رب: إن فيهم فلانًا الزاهد العابد، قال به فابدأ واسمعني صوته، إنه لم يتمعر وجهه فيّ يومًا قط؛ فالنجاة عند نزول العقوبات، هي لأهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء} الآية [الأعراف: 165] .

الرابع: أن المداهن، الطالب رضا الخلق، أخبث حالًا من الزاني والسارق والشارب، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة، بل بالقيام مع ذلك بالأمور المحبوبة لله، وأكثر الدينين لا يعبئون منها، إلا بما شاركهم فيه عموم الناس؛ وأما الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ورسوله وعباده، ونصرة الله ورسوله وكتابه ودينه، فهذه الواجبات، لا يخطرن ببالهم، فضلًا عن أن يريدوا فعلهم، فضلًا عن أن يفعلوها؛ وأقل الناس دينًا، وأمقتهم إلى الله، من ترك هذه الواجبات، وإن زهد في الدنيا جميعها؛ وقلّ أن يرى منهم من يحمر وجهه؛ و يتمعّر في الله، ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه؛ وأصحاب الكبائر أحسن حالًا عند الله من هؤلاء، انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت