وهذا في الحقيقة هو الهلكة في الآجلة، فما ذاق طعم الإيمان، من لم يوال في الله ويعاد فيه، فالعقل كل العقل، ما أوصل إلى رضا الله ورسوله، وهذا إنما يحصل بمراغمة أعداء الله، وإيثار مرضاته، والغضب إذا انتهكت محارمه؛ والغضب ينشأ من حياة القلب، وغيرته وتعظيمه، وإذا عدم الحياة والغيرة والتعظيم، وعدم الغضب والاشمئزاز، وسوى الخبيث والطيب في معاملته وموالاته و معادته، فأي خير يبقى في قلب هذا؟
وفي بعض الآثار: أن الله أوحى إلى جبرائيل، أن اخسف بقرية كذا وكذا، فقال يا رب إن فيهم فلان العابد؛ قال: به فابدأ، إنه لم يتمعر وجهه فيّ قط؛ وذكر ابن عبد البر: أن الله بعث ملكين إلى قرية ليدمّراها؛ فوجدا فيه رجلًا قائمًا يصلي في مسجد، فقالا: يا رب، إن فيها عبدك فلانًا يصلي، فقال الله عز وجل: دمراها، ودمره معهم، فإنه ما تمعر وجهه فيّ قط، انتهى.
ومن له علم بأحوال القلوب، وما يوجبه الإيمان ويقتضيه، من الغضب لله، والغيرة لحرماته، وتعظيم أمره و نهيه، يعرف من تفاصيل ذلك فوق ما ذكرنا، ولو لم يكن إلا مشابهة المغضوب عليهم والضالين، في الأنس بأهل المعاصي، و مواكلتهم، و مشاربتهم، لكفى بذلك عيبا، والله الموفق الهادي، لا إله غيره، والسلام.
وقال أيضًا الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وأما الفرق بين المداراة والمداهنة: ترك ما يجب لله من الغيرة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتغافل عن ذلك، لغرض دنيوي، وهوى نفساني، كما في حديث (( أن من كان قبلكم كانوا إذا فعلت فيهم الخطيئة، أنكروها ظاهرًا، ثم أصبحوا من الغد يجالسون أهلها، و يواكلونهم ويشاربونهم، كأن لم يفعلوا شيئًا بالأمس، فالاستئناس، والمعاشرة مع القدرة على الإنكار، هي المداهنة.
وثمود لو لم يدهنوا في ربهم ... لم تدم ناقتهم بسيف قدار
وأما المداراة، فهي: درء الشر المفسد بالقول اللين، وترك الغلظة، أو الإعراض عنه إذا خيف شره، أو حصل منه أكبر مما هو ملابس؛ وفي الحديث (( شركم من اتقاه الناس خشية فحشه ) )وعن عائشة رضي الله عنها: أنه استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: (( بئس أخو العشيرة هو ) )فلما دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ألان له الكلام، فقالت عائشة: قلت فيه يا رسول الله ما قلت؟ فقال: (( إن الله يبغض الفحش و التفحش ) ).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: من حكمة الرب تعالى أنه ابتلى عباده المؤمنين، الذين يدعون الناس إلى ما دعا إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من الدين، بثلاثة أصناف من الناس، وكل صنف له أتباع.