ففي هذه الآية: لعنهم على ألسن أنبيائهم، بترك النهي عن المنكر والأمر بالمعروف , واللعن، هو: الطرد والإبعاد عن الله رحمته.
وذكر بعض المفسرين هنا حديثًا (( أن من كان قبلكم كانوا إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة، جاءه الناهي تعذيرًا , فإذا كان الغد جالسه وواكله وشاربه، كأن لم يره على خطيئة بالأمس , فلما رأى الله ذلك منه، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفس محمد بيده، لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، و لتأطرنه على الحق أطرًا , أو ليضربن الله بقلوبكم بعضكم على بعض ) ). < ضعفه بعضهم وحسنه آخرون انظر ضعيف الجامع 1822 والضعيفة 1105 والترغيب 3/ 181 - 3413>
وذكر ابن أبي الدنيا , عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني، قال: أوحي الله عز وجل إلى يوشع بن نون، إني مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم، وستين ألفًا من شرارهم، قال يا رب: هؤلاء الأشرار، فما بال الأخبار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يواكلونهم ويشاربونهم.
وذكر أيضًا، من حديث ابن عمر: لينقضن الإسلام عروة عروة، حتى لا يقال الله الله، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، فيسومونكم سوء العذاب، ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم، ولتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم.
وفي المسند مرفوعًا (( يا أيها الناس إن الله يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم ) )وفي حديث ابن عباس (( وما ترك قوم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم ) )رواه الطبراني.
وذكر الإمام أحمد رحمه الله، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يوشك القرى أن تخرب، وهي عامرة، قالوا كيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها أبرارها، وساد القبيلة منافقوها؛ والأحاديث في هذا كثيرة، تطلب من مظانها.
فصل
وترك ذلك على سبيل المداهنة، والمعاشرة , وحسن السلوك، ونحو ذلك مما يفعله بعض الجاهلين، أعظم ضررًاُ، وأكبر إثمًا من تركه لمجرد الجهالة، فإن هذا الصنف رأوا أن السلوك وحسن الخلق، ونيل المعيشة لا يحصل إلا بذلك، فخالفوا الرسل وأتباعهم، وخرجوا عن سبيلهم ومناهجهم، لأنهم يرون العقل إرضاء الناس على طبقاتهم، ويسالمونهم، ويستجلبون مودتهم ومحبتهم، وهذا مع أنه لا سبيل إليه، فهو إيثار للحظوظ النفسانية والدعة , ومسالمة الناس وترك المعاداة في الله، وتحمل الأذى في ذاته.