قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق , إلى أبي عبد الله - يعني الإيام أحمد بن حنبل رحمه الله - وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا - يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك - وما نرضى بإمارته , ولا سلطانه , فناظرهم في ذلك , وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم , ولا تخلعوا يدًا من طاعة , ولا تشقوا عصا المسلمين , ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم , وانظروا في عاقبة أمركم , واصبروا حتى يستريح بر , ويستراح من فاجر؛ وقال: ليس هذا - يعني نزعهم أيديهم من طاعته - صوابًا , هذا خلاف الآثار.
وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله يأمر بالكف عن الأمراء , وينكر الخروج إنكارًا شديدًا؛ وقال في رواية إسماعيل بن سعيد , الكف , أي: يجب الكف , لأنا نجد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (( ما صلوا ) )فلا تنزع يدًا من طاعتهم , مدة ما داموا يصلون , خلافًا للمتكلمين في جواز قتالهم , كالبغاة؛ وفرق القاضي بينهما من جهة الظاهر والمعنى , أما الظاهر فإن الله تعالى أمر بقتال البغاة , بقوله: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} الآية [الحجرات: 9] وفي مسألتنا أمره بالكف عن الأئمة , بالأخبار المذكورة , وأما المعنى فإن الخوارج يقاتلون بإمام , وفي مسألتنا يحصل قتالهم بغير إمام , انتهى.
وقال الإمام: عبد الله بن المبارك , رحمه الله ورضي عنه:
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانا
كم يدفع الله بالسلطان معضلة في ديننا رحمة منه ودنيانا
لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبا لأقوانا
وفي وصية عمرو بن العاص رضي الله عنه: يا بني حفظ على ما أوصيك به , إمام عدل خير من مطر وبل , وإمام ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم , انتهى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله , في المنهاج: ومن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضًا , ومن ممادح أهل العمل: إنهم يخطئون , ولا يكفرون , وسبب ذلك: أن أحدهم قد يظن أن ما ليس بكفر كفرًا , انتهى.
فانظروا وفقكم الله , في كلام هؤلاء الأئمة , في حق ولاة الأمر , وحثهم على عدم منازعتهم للأمراء , وتقرير وجوب السمع والطاعة لهم , وإن كان فيهم ما فيهم , من الأمور التي ينكرها الشرع , ما لم يظهر منهم كفر بواح؛ وإمامكم حفظه الله , وأعاذه من مضلات الفتن , وإن كنا لا نعتقد عصمته , فإنه قد أصغى إلى قبول النصيحة من كل ناصح , وجد في إزالة ما قدر عليه من المنكرات.
ونرجو الله أن يعنيه على إزالة كلما أنكره الشرع المطهر , ولا يكله إلى نفسه طرفة عين , وقد انتظم به من المصالح الدينية والدنيوية ما لا يحصى , هذا والله المسؤول أن يوقفنا وإياكم وإياه , لسلوك الصراط المستقيم , ويجنب الجميع طريقة أصحاب الجحيم , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.