الصفحة 327 من 461

عليه رجلًا يقبل بخفية , فإن لم يفعل فيمكن الإنكار ظاهرًا , إلا إن كان على أمير ونصحه ولا وافق , واستحلق عليه ولا وافق , فيرفع الأمر إلينا خفية.

إذا فهمتم ذلك , وتحققتم أنه لا يجوز إنكار المنكر ظاهرًا , فالواجب على المسلم: أن ينكر على من أتى به بخفية , خصوصًا إن كان على أمير , فإن إنكار المنكر على الولاة ظاهرًا , مما يوجب الفرقة والاختلاف بين الإمام ورعيته , فإن لم يقبل المناصحة خفية , فليرد الأمر إلى العلماء , وقد برئت ذمته.

وإنكار المنكر على الولاة ظاهرًا من إشاعة الفاحشة , وقد قال الله تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة} [النور: 19] وإطلاق الفاحشة لفظ عام , يدخل فيه كل ما كان منكرًا , وإعمال المطي بين الإخوان , واجتماعاتهم لأجل إنكار المنكر , ظاهرًا , مخالف لما كان عليه أهل السنّة والجماعة من العلماء , ولما كان شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب في هذه الرسالة , وهذا منا إعذار وإنذار , لئلا يحتج أحد علينا أنا لم نناصحهم في ذلك , ولم نبين لهم ما عندنا.

وقد سمعنا في الأيام الماضية , ما أجتمع عليه الإخوان في هذا الأمر , ولم يمنع المشائخ مناصحتهم في ذلك , إلا ما ذكروه في مراسلاتهم للمشائخ: أنهم على عقيدتهم , وأنه ليس لهم رأي يخالف رأيهم , وأنهم لا يبدرون في شيء إلا بمراجعتهم , فلما مضوا فيما مضوا فيه , ولم يرفعوا للمشائخ خبرًا بذلك , تحققنا أنهم يقولون ما لا يفعلون , وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون* كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 2 - 3] .

وأيضًا: فها هنا مسألة أخرى , يجب التنبيه عليها , لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد , وهي ما ورد في الحديث الصحيح: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( عليكم بسنّتي , وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي و تمسكوا بها , وعضوا عليها بالنواجذ , وإياكم ومحدثات الأمور , فإن كل محدث بدعة , وكل بدعة ضلالة ) ).

ومن سنّة الخلفاء الراشدين - أبي بكر , وعمر , وعثمان رضي الله عنهم - أنهم هم الذين بعثوا البعوث , وجندوا الأجناد , وفتحوا الفتوحات العظيمة , كمصر , والشام , والعراق , والفرس , وأنفقوا خزائنها في سبيل الله , كما هو مشهور من سيرتهم , ولم يقل أحد من الصحابة , والتابعين , رضي الله عنهم: إنا نحن الذين فتحنا هذه الأمصار؛ بل ذكر العلماء: أن الذي فتحها هم الخلفاء الراشدون.

وذكروا أيضًا: أن عمر رضي الله عنه , هو الذي بصّر البصرة , وكوّف الكوفة؛ والخلفاء الراشدون , لم يخرجوا من المدينة , ولم يروا هذه الأمصار بأعينهم , إلا ما كان من مسير عمر للشام , لفتح بيت المقدس , وهم الذين تولوا خراجها , ولم يتول خراجها من أرسلهم الخلفاء , إلى هذه الأمصار والأقطار , فهذه سيرة الخلفاء الراشدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت