عصى الأمير فقد عصاني , ومن عصاني فقد عصى الله )) والمراد بالأمير في هذا الحديث: من ولاه الله أمر المسلمين , وهو الإمام الأعظم.
وقال ابن رجب في شرح الأربعين له , وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين , ففيها سعادة الدنيا , وبها تنظيم مصالح العباد في معاشهم , وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم , كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر , إن كان فاجرًا عبَدَ المؤمنُ فيها ربَّهُ , وحمل الفاجر فيها إلى أجله.
وقال الحسن في الأمراء: يلون من أمورنا خمسًا , الجمعة والجماعة , والعيد والثغور والحدود , والله ما يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا وظلموا , والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون , مع أن طاعتهم والله لغيظ , وإن فرقتهم لكفر.
وخرج الخلال في كتاب الإمارة , من حديث أبي أمامة , قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه حين صلوا العشاء (( أن احشدوا , فإن لي إليكم حاجة ) )فلما فرغوا من صلاة الصبح , قال: (( هل حشدتم كما أمرتم ) )قالوا نعم , قال: (( اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا , هل عقلتم هذه ) )ثلاثًا , قلنا: نعم , قال: (( أقيموا الصلاة , وآتوا الزكاة , هل عقلتم هذه ) )ثلاثًا , قلنا: نعم , قال: فكنا نرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستكلم كلامًا طويلًا , ثم نظرنا في كلامه , فإذا هو قد جمع الأمر كله.
ومن الأمور التي أدخلها الشيطان في المسلمين , لينال بها مقصوده من إغوائهم , واختلاف كلمتهم وتفرقهم , ما حملهم عليه من التهاجر على غير سبب يوجب ذلك ,بل بمجرد الرأي المخالف لكتاب الله وسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - , وهذا ينافي ما عقده الله بين المسلمين , من الأخوة الإسلامية , التي توجب التواصل والتواد , والتراحم والتعاطف , كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم , كمثل الجسد الواحد ) )و قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا ) ).
وقال الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا} إلى قوله: {لعلكم تهتدون} (آل عمران: 103) . وقال الله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشل ريحكم} الآية [الأنفال: 46] وقال - صلى الله عليه وسلم: (( لا تباغضوا ولا تحاسدوا , ولا تدابروا , ولا تقاطعوا , وكونوا عباد الله إخوانًا , المسلم أخو المسلم ) )الحديث.
وقد تقدم: أن هجر أهل المعاصي يشرع , إذا كانت المصلحة بذلك راجحة على مفسدته , فإذا لم تكن فيه مصلحة راجحة لم يشرع , لما يترتب على ذلك من المفاسد , كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه؛ والهجر إنما شرع تأديبًا وتعزيرًا , بترك السلام عليه , عدم تكليمه , حتى ينزجر عن معصيته؛ وأما ضربة وتعنيفه , فلا أصل له في الشرع.
ومن نسب إلى الشيخ الإمام: عبد اللطيف , رحمه الله: أنه يضرب كل من سافر إلى بلاد المشركين , فقد افترى , والناقل لذلك يطالب بصحة ما نقل عنه , وإن صح من ذلك شيء , فهو محمول على بعض المنتسبين , الذين