الصفحة 317 من 461

السلام في زعم هذا الجاهل: أن خروجه مع إبله وغنمه معصية , وهذا جهل وضلال , فإن فعله ذلك مباح , فلا يجوز هجره والإنكار عليه والحالة هذه , وقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - نعم من إبل وغنم , يجعل فيها رعاة يرعونها؛ وقال الفضل بن العباس: زارنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بادية لنا.

وأما من هاجر ثم رجع إلى البادية , منتقلًا عن دار هجرته , فإنه عاص ومرتكب كبيرة , إذا لم يكن من نيته الرجوع , فمن كان مقصوده اتباع الحق , وطلب الهدى , وسعه ما وسع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه , ومن كان مقصوده الهوى , والتعمق والتكلف , والتضييق على نفسه , وعلى غيره , من غير دليل شرعي , فهو شبيه بمن انحرف عن هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل البدع والضلال.

وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إن قومًا شددوا على أنفسهم , فشدد الله عليهم , فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات ) )وذلك حين سأل نفر من أصحابه , عن عبادته - صلى الله عليه وسلم - فكأنهم تقالوها , فقال أحدهم: أما أنا فلا آكل اللحم؛ وقال الآخر: أنا لا أتزوج النساء , وقال الآخر: أنا أصوم ولا أفطر , وأصلي ولا أنام , فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أما أنا فأصوم وأفطر , وأصلي وأنام , وآكل اللحم , وأتزوج النساء , فمن رغب عن سنّتي فليس مني ) ).

ولما قام أبو إسرائيل في الشمس , أمره أن يستظل؛ ومن المعلوم أن مقصود هؤلاء النفر , الحرص على الخير , وطلب الزيادة في العبادة , فبين لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الزيادة على المشروع ضرر على صاحبها , وسبب لخروجه عن الصراط المستقيم , ومضاهاته للمغضوب عليهم , والضالين.

ومما أدخل الشيطان على بعض المتدينين: اتهام علماء المسلمين بالمداهنة , وسوء الظن بهم , وعدم الأخذ عنهم , وهذا سبب لحرمان العلم النافع , والعلماء هم ورثة الأنبياء في كل زمان ومكان , فلا يتلقى العلم إلا عنهم , فمن زهد في الأخذ عنهم , ولم يقبل ما نقلوه , فقد زهد في ميراث سيد المرسلين , واعتاض عنه بأقوال الجهلة الخابطين , الذين لا دراية لهم بأحكام الشريعة.

والعلماء هم الأمناء على دين الله , فواجب على كل مكلف , أخذ الدين عن أهله , كما قال بعض السلف: إن هذا العلم دين , فانظروا عمن تأخذون دينكم؛ فأما من تعلق بظواهر ألفاظ من كلام العلماء المحققين , ولم يعرضها على العلماء , بل يعتمد على فهمه , وربما قال حجتنا مجموعة التوحيد , أو كلام العالم الفلاني , وهو لا يعرف مقصوده بذلك الكلام , فإن هذا جهل وضلال.

ومن المعلوم: أن أعظم الكلام وأصحه , كلام الله العزيز , فلو قال إنسان ما نقبل إلا القرآن؛ وتعلق بظاهر لفظ لا يعرف معناه , أو أوَّلَهُ على غير تأويله , فقد ضاهى الخوارج المارقين؛ فإذا كان هذا حال من اكتفى بالقرآن عن السنّة , فكيف بمن تعلق بألفاظ الكتب , وهو لا يعرف معناها , ولا ما يراد بألفاظها؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت