محتاجون للحرص على فهم هذا والعمل به , فإن الخلل إنما يدخل على صاحب الدين , من قلة العمل بهذا , أو قلة فهمه.
وأيضًا , يذكر العلماء: أن إنكار المنكر , إذا صار يحصل بسببه افتراق , لم إنكاره , فالله الله في العمل بما ذكرت لكم , والتفقه فيه , فإنكم إن لم تفعلوا , صار إنكاركم مضرة على الدين , والمسلم لا يسعى إلا في صلاح دينه ودنياه أهل الدين واجب عليهم إنكار المنكر , فلما غلظوا الكلام , صار فيه اختلاف بين أهل الدين , فصار فيه مضرة على الدين والدنيا؛ وهذا الكلام وإن كان قصيرًا , فمعناه طويل , فلازم لازمٍ , تأملوه وتفقهوا فيه , واعلموا به , فإن علمتم به صار نصرًا للدين , واستقام الأمر إن شاء الله.
والجامع لهذا كله: أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره , أن ينصح برفق خفية ما يشترف أحد , فإن وافق وإلا استحلق عليه رجلًا يقبل منه بخفية , فإن لم يفعل فيمكن الإنكار ظاهرًا , إلا إن كان على أمير , ونصحه ولا وافق , واستحلق عليه ولا وافق , فيرفع الأمر إلينا خفية , وهذا الكتاب , كل أهل بلد ينسخون منه نسخة , ويجعلونها عندهم ثم يرسلونها لحرمة والمجمعة , ثم للغاط والزلفى , والله أعلم.
وقال ابن القيم , رحمه الله تعالى في أعلام الموقعين , المثال الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرع لأمته إيجابًا إنكار المنكر , ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله , فإذا كان إنكار منكر يستلزم ما هو أنكر منه , وأبغض إلى الله ورسوله , فإنه لا يسوغ إنكاره , وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله , وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم , فإنه أساس كل شر وفتنة , إلى آخر الدهر.
وقد استأذن الصحابة رضي الله عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتال الأمراء , الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها , وقالوا أفلا نقاتلهم؟ (( فقال: لا , ما أقاموا الصلاة ) )وقال: من رأى من أميره ما يكرهه , فليصبر ولا ينزغنّ يدًا من طاعة )) ومن تأمل ما جرى على الإسلام , في الفتن الكبار والصغار , رآها من إضاعة هذا الأصل , وعدم الصبر على منكر طلب إزالته , فتولد منه ما هو أكبر منه , انتهى.
وقال ابن مفلح , في الآداب: قال حنبل , اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق , إلى أبي عبد الله - يعني الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى - وقالوا له إن الأمر قد تفاقم وفشا - يعنون إظهار القول بخلق القرآن , وغير ذلك , وقال عليكم بالإنكار في قلوبكم , ولا تخلعوا يدًا من طاعة , ولا تشقوا عصا المسلمين , ولا تسفكوا دمائكم ودماء المسلمين معكم , وانظروا في عاقبة أمركم , واصبروا حتى يستريح بر , ويستراح من فاجر؛ وقال ليس هذا - يعني نزع أيديهم مكن طاعته - صوابًا هذا خلاف الآثار، ا هـ.
إذا تقرر ذلك , فليعلم: أن الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل , قد ثبتت بيعته وإمامته , ووجبت طاعته على رعيته فيما أوجب الله من الحقوق , فمن ذلك أمر الجهاد , ومحاربة الكفار ومصالحتهم , وعقد الذمة معهم , فإن هذه الأمور من حقوق الولاية , وليس لآحاد الرعية الافتيات , أو الاعتراض عليه في ذلك , فإن مبنى هذه