وذلك لا يحصل للمسلمين المؤمنين، إلا إذا كانوا على العمل بالحق مجتمعين مؤتلفين، متعاونين متناصرين، فبهذا يكون لهم الظهور، ويقوم به الدين، كما قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} (الشورى: 13) فأمر تعالى عباده بإقامة الدين، الذي أكمله لهم على لسان سيد المرسلين، ونهاهم عن التفرق فيه، لأن التفرق ينافي إقامة الحق الذي شرعه، وبعث به هذا النبي الذي ختم به المرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ولما كان هذا الاجتماع العظيم، وما يحصل به من المصالح العظيمة، وعدم التفرق والاختلاف، يتوقف على مشروعية نصب إمام، يبايعه المسلمون على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، والأثرة عليهم، ولهذا بايع المهاجرون والأنصار، أبا بكر الصديق رضي الله عنه، في اليوم الذي توفي فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، خشية التفرق والاختلاف، رضي الله عنهم أجمعين، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} (النساء: 59) .
وفي الأحاديث أيضًا ما يؤكد ذلك ويوجبه، لما فيه من المصالح، لأن عدمه يفضي إلى التفرق والاختلاف، وذهاب الدين، فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به ) )، وعن أنس مرفوعًا (( اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ) )وعن عبادة بن الصامت، قال: بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى الأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحق حيث كان، لا نخاف في الله لومة لائم.
وعن أبي هريرة مرفوعًا (( من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا إلا مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية، أو يدعو أو ينصر عصبية، فيقتل، فقتلته جاهلية، ومن خرج على أمتي بسيف، يضرب برها وفاجرها، لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه ) ).
وسأل يزيد بن سلمة الجعفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: أرأيت يا رسول الله، إن قام علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا قنا، فما تأمرنا؟ قال: (( اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ) )وعن ابن عمر مرفوعًا (( من خلع يدًا من طاعة أميره، لقي الله ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية ) ).
وعن الحارث الأشعري مرفوعًا (( آمركم بخمس، بالجماعة، والسمع، والطاعة، والجهاد في سبيل الله، فإن من خرج عن الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوة الجاهلية فهو من جثى جهنم، وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم ) )وفي صحيح مسلم مرفوعًا (( من أتاكم وأمركم على رجل واحد