الصفحة 299 من 461

وقد بلغني: عن بعض من غره الغرور، من الطعن في العلماء، ورميهم بالمداهنة، وأشباه هذه الأقاويل، التي صدت أكثر الخلق عن دين الله، وزين لهم الشيطان بسبب ذلك، الطعن في الولاية بأمور، حقيقتها البهتان، والطعن بالباطل؛ وقد علمتم ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفرضه من السمع والطاعة.

قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ... } (النساء: 59) ولم يستثنِ سبحانه وتعالى برًا من فاجر، ونهى - صلى الله عليه وسلم - عن إنكار المنكر، إذا أفضى إلى الخروج عن طاعة أولي الأمر، ونهى عن قتالهم، لما فيه من الفساد؛ عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: دعانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعناه، وكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة، في مكرهنا ومنشطنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: (( إلا أن تروا كفرًا بوّاحًا، عندكم فيه من الله برهان ) )أخرجاه في الصحيحين.

وقوله: (( أن لا ننازع الأمر أهله ) )دليل على المنع من قتال الأئمة، إلا أي يروا كفرًا بوّاحًا؛ وهو الظاهر الذي قد باح به صاحبه، فطاعة ولي الأمر، وترك منازعته، طريقة أهل السنة والجماعة، وهذا هو فصل النزاع بين أهل السنّة، وبين الخوارج والرافضة.

وعن حذيفة بن اليمان: قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( اسمع وأطع للأمير، وإن أخذ مالك وضرب ظهرك ) )وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد خرج من السلطان شبرًا فمات، مات ميتة جاهلية ) )وعنه عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( من خلع يدًا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة الجاهلية ) ).

فذكر في هذا الحديث: البيعة والطاعة؛ فالخروج عليهم نقض للعهد والبيعة، وترك طاعتهم ترك للطاعة، وبهذه الأحاديث وأمثالها، عمل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها، وعرفوا أنها من الأصول التي لا يقول الإسلام إلا بها، وشاهدوا من يزيد بن معاوية، والحجاج، ومن بعدهم خلا الخليفة الراشد، عمربن عبد العزيز، أمورًا ظاهرة ليست خفية، ونهوا عن الخروج عليهم، والطعن فيهم، ورأوا أن الخارج عليهم خارج عن دعوة المسلمين، إلى طريقة الخوارج.

ولهذا لما حج ابن عمر رضي الله عنهما مع الحجاج، وطعن في رجله، قيل له أنبايعك على الخروج على الحجاج وعزله؟ وهو أمير من أمراء عبد الملك بن مروان، غلظ الإنكار عليهم، وقال: لا أنزع يدًا من طاعة، واحتج عليهم بالحديث الذي تقدم ذكره؛ فإذا فهمتم ذلك، فاشكروا نعمة الله عليكم بما منّ به من إمامة إسلامية، تدعوكم إليه ظاهرًا وباطنًا، مما سمعتم وصدقه الفعل، من بذل المال والسلاح والقوة، وإعانة المهاجرين لأجل دينه، لا لقصد سوى ذلك، يعرف ذلك من عرفه، ولا يجحده إلا منافق فارق بقلبه ونيته، ما اعتقده المسلمون وقاموا به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت