الصفحة 298 من 461

وما خرج أحد عن طريقته، إلا سلك أحد طريقتين، إما جفاء وإعراض، وإما غلو وإفراط، وهذه مصائد الشيطان، التي يصطاد بها بني آدم، ولهذا حذر سبحانه عن الغلو، قال تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} (النساء: 171) وفي الآية الأخرى: {لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل} (المائدة: 77) .

فلما منّ الله سبحانه: على المسلمين في آخر هذه الأزمان، التي اشتدت فيها غربة الدين، باجتماع المسلمين ورد لهم الكرة ولم شعثهم، بإمام يدعوهم إلى دين الله وإلى طاعته، بماله ونفسه ولسانه، وهدى الله بسبب ذلك من هدى من البادية، وعرفهم الإسلام ورغبهم فيه ودانوا به، وهي من أعظم النعم عليهم وعلى المسلمين عمومًا، أن هداهم الله لدينه وعرفهم به، وأخرجهم من ظلمات الكفر والجهل، إلى نور الإسلام وطاعة ربهم، وعرفهم دينهم الذي خلقوا له، وتعبدهم الله سبحانه وبحمده به.

وقد كانوا قبل ذلك في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، أشقى الناس في الدنيا، من عاش منهم عاش شقيًا، ومن مات منهم ردى في النار، فالواجب علينا وعليكم: معرفة هذه النعمة، والقيام بحق الله تعالى في ذلك، وشكر نعمه عليكم، ولا تكونوا كـ {الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار} (إبراهيم: 28) .

قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون - واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} إلى قوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم - يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون - وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} (آل عمران: 102 - 107) .

قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنّة والجماعة، وتسود وجوه أهل الفرقة والشناعة.

وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} (الشورى: 13) وقال: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} (البينة: 4)

والآيات في النهي عن التفرق في الدين كثيرة، لكن القصد التنبيه على ما يلقيه الشيطان ويزينه للناس، من التفرق والاختلاف؛ والذي قصده الله والدار الآخرة، يرد ما صدر وما سمع إلى كتاب الله وسنّة رسوله، قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} (النساء: 59) ولا عمل إلا بدليل وبرهان، يطلب به صاحب العمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت