تعالى: ولم يقع خلل في دين الناس أو دنياهم، إلا من الإخلال بهذه الوصية، وقوله - صلى الله عليه وسلم - (( لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بسمع وطاعة ) ) (لا يصح مرفوعًا، وأظنه لعمر رضي الله عنه رواه الدارمي وهو صحيح) .
فليتأمل: من أراد نجاة نفسه هذا الشرط، الذي لا يوجد الإسلام إلا به، ومع ذلك استحسن الواقع من استحسنه، وأجاز نصب إمامين، وأثبت البيعة لاثنين، كأنه لم يسمع في ذلك نص: إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما؛ أوفوا ببيعة الأول فالأول؛ وما قاله الفاروق رضي الله عنه، في بيعة أبي بكر رضي الله عنهما، لما قال الأنصار - أهل السقيفة - منا أمير ومنكم أمير؛ وما ذهب إليه الحكمان، في شأن علي ومعاوية رضي الله عنهما.
فلو كان جائزًا في دينهم نصب إمامين، لأقرا عليًا على الحجاز والعراق، وأقرا معاوية على مصر والشام، ولكن لم يجدا مخرجًا إلا بخلع أحدهما، مع أن عليًا رضي الله عنه، لم يقاتل معاوية وأهل الشام، إلا لأجل الجماعة، والدخول في الطاعة، وكان محقًا في ذلك رضي الله عنه.
وما ذهب إليه الحسن بن علي، في خلع نفسه، فلو رأى ذلك جائزًا له، لاقتصر على الحجاز والعراق، وترك معاوية وما بيده، لكن لما علم أن ذلك لا يستقيم إلا بخلع أحدهما، آثر الباقي وغض الطرف عن الفاني، وخلع نفسه.
وكذلك ما قاله إمام هذه الدعوة النجدية، الشيخ: محمد رحمه الله تعالى، لما أراد عبد العزيز: أن يجعل أخاه عبد الله، أميرًا في الرياض بعد فتحها، أنكر ذلك وأعظمه، وقال هذا قدح وغيبة لإمام المسلمين، وعضده ونصيره؛ لأنه رأى ذلك وسيلة إلى الفرقة، مع أن عبد الله ما يظن به إلا خيرًا، وحسبك به رحمه الله.
فإن كنتم معشر العلماء، تعرفون أن هذا حق وتعتقدونه، وآثرتم المسالمة والسكوت، فهيهات هيهات أنى لكم الخلاص، وقد كتمتم ما لا يجهل، فإن كنتم تعتقدون خلافه، وأن ما ذهبنا إليه واعتقدناه في هذه القضية خطأ، فرحم الله من أرشد جاهلًا، وبصر حائرًا فإن أشكل الأمر فهلم، فالحكم والحق مقبول.
فيا ساستا هاتوا لنا من جوابكم ... أهل كتاب نحن فيه وأنتم؟ ... أم الوحي منبوذ وراء ظهورنا ... 1 ... ففيكم لعمري ذو أفانين مقول ... على ملة نقضي بها ثم نعدل ... ويحكم فينا المرزبان المرفل ... 1
هذه النصوص من كتاب الله نرجع عند التنازع إليها، وهذه الآثار من سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحكامه، مضبوطة محررة، مسطورة في دواوين الإسلام، قال عمر رضي الله عنه: والله ما توفي محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا وقد ترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.