وقال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} (البقرة: 214) وقال تعالى: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} (التوبة: 16) .
وقال تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه} (الحج: 11) .
ثم إن الله سبحانه وتعالى من فضله ورحمته، جمع المسلمين على إمام واحد، وحصل لهم من الأمن والراحة والعافية، وكف أيدي الظلمة، ما لا يخفى.
ثم بعد ذلك: وقعت المحنة، وخبطتنا فتنة عم شرها، وطار شررها، وتفرق الناس فيها أحزابًا وشيعًا، ما بين ناكث لعهده، خالع لبيعة إمامه، بغير حجة ولا برهان، بغضًا للجماعة، ومحبة للفرقة والشناعة؛ وبين مجتهد لما رأى إمامه صدر مكاتبة للدولة؛ وبين واقف عند حده، يلوح بين عينيه (( إلا أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم فيه من الله برهان ) ).
والرابع: ضعيف العنان، خوار الجنان مع هؤلاء تارة، ومع الآخرين تارة يتبع طمعه، وكل فرقة من هذه الفرق تضلل الأخرى، أو تفسقها، أو تكفرها، بل وتنتسب إلى طالب علم، تأتم به وتقلده، وتحتج بقوله عياذًا بالله من ذلك، والمعصوم من عصمه الله، وحساب الجميع على الله، وهو أعلم بسرائرهم، وسيحكم بينهم سبحانه بعلمه.
ثم أذهب الله ذلك بالعود إلى الجماعة، وتجديد الأخوة الإسلامية، وذهاب الشحناء، وعاد الأمر إلى ما كان عليه، من ثبوت الإمامة، والدعوة إلى الجماعة، وتجديد العهود والمواثيق على ذلك، فحمدنا الله تعالى، وسألناه المزيد من فضله ورحمته، وكنا مغتبطين، وأذهب الله عنا هباء الشبهات، وأطفأ نار تلك الضلالات.
ثم خرج من خرج بشق العصا ومفارقة الجماعة، طلبًا للفساد في الأرض وفلاًّ لجمع المسلمين عن مجاهدة أعداء الله المشركين، ومن انتظم في سلكهم، من الطغاة والبغاة المفسدين، ثم كان عاقبة ذلك، حدثان عظيم، وضلال مستبين، مضادة لأمر الله ورسوله، ورفضًا لفرضية الجماعة، وإقامة لشعار أهل الجاهلية، لأن دينهم الفرقة، ويرون السمع والطاعة مهانة ورذالة.
فأتاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون - واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا} (آل عمران: 102، 103) وقوله: {واسمعوا وأطيعوا} (التغابن: 16) ومن شعارهم: أن مخالفة ولي الأمر، وعدم الانقياد له فضيلة، وبعضهم يجعله دينًا، فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وأمر بالصبر على جور الولاة، والسمع والطاعة، والنصيحة لهم، وغلظ في ذلك، وأبدى وأعاد.
وهذه: هي التي ورد فيها، ما في الصحيحين، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (( إن الله يرضى لكم ثلاثًا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ) )قال شيخ الإسلام رحمه الله