وقد اختصكم الله من نعمة الإيمان والتوحيد بخالصة، ومنّ عليكم بمنة عظيمة صالحة من بين سائر الأمم، وأصناف الناس، في هذا الزمان فأتاح لكم من أحبار الأمة وعلمائها حبرًا جليلًا، وعلمًا نبيلًا فقيهًا، عارفًا بما كان عليه الصدر الأول، خبيرًا بما انحل من عرى الإسلام وتحول.
فتجرد للدعوى إلى الله، ورد هذا الناس إلى ما كان عليه سلفهم الصالح، في باب العلم والإيمان، وباب العمل الصالح والإحسان، وترك التعلق على غير الله، من الأنبياء والصالحين وعبادتهم، والاعتقاد في الأحجار والأشجار، وتجريد المتابعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في الأقوال والأفعال، وهجر ما أحدثه الخلوف والأغيار، وجادل في الله، وقرر حججه وبيناته، وبذل نفسه لله.
وأنكر على أصناف بني آدم، الخارجين عما جاءت به الرسل المعرضين عنه، التاركين له؛ وصنف في الرد على من عاند أو جادل، وجرى من المخاصمات والمحاربات، ما يطول عده، وأكثرهم يعرف ذلك.
ووازره على ذلك: من سبقت له من الله سابقة السعادة، و\فأقبل على معرفة ما عنده من العلم وأراده، من أسلاف آل مقرن الماضين، وآبائهم المتقدمين، رحمهم الله رحمة واسعة، وجزاهم عن الإسلام خيرًا، فما زالوا من ذلك على آثار حميدة، ونعم عديدة، يصنع لهم تعالى من عظيم صنعه، وخفي لطفه، ما هداهم به إلى دينه الذي ارتضاه لنفسه، واختص به من شاء كرامته وسعادته من خلقه.
وأظهر لهم من الدولة والصولة، ما ظهروا به على كافة العرب، وغدت لهم الرياسة والإمامة، رتبة تدرس بمجرد السابقة والعادة، لا تزاحمهم فيها العرب العرباء، ولا يتطاول إليها بنو ماء السماء، وصالحهم يرجو فوق ذلك مظهرًا، وجاهلهم يرتع في ثياب مجد، لا يعرف من حاكها ولا درى، فلم يزل الأمر في مزيد، حتى توفى الله شيخ هذه الدعوة، ووزيره العبد الصالح، رحمهما الله رحمة واسعة.
ثم حدث: من فتنة الشهوات، ما أفسد على الناس الأعمال والإرادات، وجرى من الابتلاء والتطهير، ما يعرفه الفطن الخبير.
ثم أدرك سبحانه من رحمته وألطافه، أهل هذه الدعوة، ما رد لهم به الكرة، ونصرهم ببركته المرة بعد المرة، وبعضهم أدرك ذلك ورآه، ومن لم يدركه بلغه كيف كثر الابتلاء والامتحان لأهل هذه الدعوة، ثم تكون لهم العاقبة، وذلك سنة الله سبحانه السابقة في أنبيائه ورسله (( أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه ) ).
وله في ذلك حكمة بالغة، دلنا على بعض أفرادها في محكم كتابه، قال تعالى: {الم - أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} (العنكبوت: 1، 2) وقال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} (آل عمران: 179) وقال تعالى: {ليميز الله الخبيث} (الأنفال: 37) .