العلوم والشأن، ورفعت عند ذلك فتنة الشبهات، وتوالدت تلك المآثم والسيئات، وظهرت أسرار قوله تعالى: {كالذين من قبلكم} (التوبة: 69) وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( لتتبعن سنن من كان قبلكم ) ).
ولكن لله في خلقه عناية وأسرار، لا يعلم كنهها إلا العليم الغفار، من ذلك أن الله يبعث لهذه الأمة في كل قرن من يجدد لها أمر دينها، ويدعو إلى واضح السبيل ومستبينها، كيلا تبطل حجج الله وبيناته، ويضمحل وجود ذلك وتعدم آياته؛ فكل عصر يمتاز فيه عالم بذلك، يدعو إلى تلك المناهج والمسالك، وليس من شرطه أن يقبل منه ويستجاب، ولا أن يكون معصومًا في كل ما يقول، فإن هذا لم يثبت لأحد سوى الرسول.
ولهذا المجدد: علامات يعرفها المؤمنون، وينكرها المبطلون، أوضحها وأصدقها وأولاها، محبة الرعيل الأول من هذه الأمة، والعلم بما كانوا عليه من أصول الدين وقواعده المهمة، التي أصلها الأصيل، واسمها الأكبر الجليل: معرفة الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، وأن يوصف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير زيادة ولا تحريف، ومن غير تمثيل ولا تكييف، وأن يعبد وحده لا شريك له، ويكفر بما سواه من الأنداد والآلهة، هذا أصل دين الرسل كافة، وأول دعوتهم وآخرها.
وفي بسط هذه الجملة، من العلم به وبشرعه ودينه، وصرف الوجوه إليه، ما لا يتسع له هذا الموضع، وكل الدين يدور على هذا الأصل، ويتفرع عنه.
ومن طاف البلاد، وخبر أحوال الناس من أزمان متطاولة، عرف انحرافهم عن هذا الأصل، وبعدهم عما جاءت به الرسل، فكل بلد وكل قطر وجهة - فيما يبلغنا - فيها الآلهة التي عبدت مع الله بخالص العبادات، وقصدت من دونه في الرغبات والرهبات، ما هو معروف مشهور، لا يمكن جحده ولا إنكاره، بل وصل بعضهم إلى أن ادعى لمعبوده مشاركة في الربوبية، بالعطاء والمنع والتدبير، ومن أنكر ذلك عندهم فهو خارجي، ينكر الكرامات.
وكذلك هم في باب الإيمان بالأسماء والصفات، ورؤساؤهم وأحبارهم معطلة لذلك، يدينون بالإلحاد والتحريفات، ويظنون أنهم من أهل التنزيه والمعرفة باللغات، ثم إذا نظرت إليهم، وسبرتهم في باب فروع العبادات، رأيتهم قد شرعوا لأنفسهم شريعة لم تأتِ بها النبوات، هذا وصف من يدعي الإسلام منهم في سائر الجهات.
وأما من كذب: بأصل الرسالة، ولم يرفع بها رأسًا، فهؤلاء نوع آخر، ليسوا مما جاءت به الرسل في شيء، بل هم كما قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس} (الأعراف: 179) ومن عرف هذا حق المعرفة، وتبين له الأمر على وجهه، عرف حينئذٍِ نعمة الله عليه، وما اختصه به، إن كان من أهل العلم والإيمان، لا من ذوي الغفلة عن هذا الشأن.