الصفحة 289 من 461

وجاءهم من الآيات، والأدلة القاطعة، الدالة على صدقه وثبوت رسالته، ما أعجزهم به، فلم يبق لأحد على الله حجة، ومع ذلك كابر المكابر، وعاند المعاند: {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق} (غافر: 5) ورأوا: أن الانقياد له وترك ما هم عليه من النحل والملل، يجر عليهم من مسبة آبائهم، وتسفيه أحلامهم، أو نقص رياساتهم، أو ذهاب مآكلهم، ما يحول بينهم وبين مقاصدهم، فلذلك عدلوا إلى ما اختاروه من الرد والمكابرة، والتعصب على باطلهم والمثابرة.

وأكثرهم يعلمون أنه محق، وأنه جاء بالهدى ودعا إليه؛ ولكن في النفوس موانع، وهناك إرادات ورياسات، لا يقوم ناموسها، ولا يحصل مقصودها، إلا بمخالفته، وترك الاستجابة له، وهذا هو المانع في كل زمان ومكان، من متابعة الرسل، وتقديم ما جاؤوا به، ولولا ذلك ما اختلف من الناس اثنان، ولا اختصم في الإيمان بالله، وإسلام الوجه له خصمان.

وما زال حاله - صلى الله عليه وسلم - مع الناس كذلك، حتى أيد الله دينه ونصر الله رسوله، بصفوة أهل الأرض وخيرهم، ممن سبقت له من الله السعادة، وتأهل بسلامة صدره مراتب الفضل والسيادة، وأسلم منهم الواحد بعد الواحد، وصار بهم على إبلاغ الرسالة معاون ومساعد، حتى من الله على ذلك الحي من الأنصار، بما سبقت لهم به من الحسنى والسيادة الأقدار، فاستجاب لله ورسوله منهم عصابة، حصل بهم من العز والمنعة، ما هو عنوان التوفيق والإصابة، فصارت بلدهم بلد الهجرة الكبرى، والسيادة الباذخة العظمى، هاجر إليها المؤمنون، وقصدها المستجيبون، حتى إذا عز جانبهم، وقويت شوكتهم، أذن لهم في الجهاد بقوله تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} (الحج: 39) :

ثم لما اشتد ساعدهم وكثّر الله عددهم، أنزل آية السيف، وصار الجهاد من أفرض الفروض، وآكد الشعائر الإسلامية، فاستجابوا لله ورسوله، وقاموا بأعباء ذلك، وجردوا في حب الله ونصر دينه السيوف، وبذلوا الأموال والنفوس، ولم يقولوا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} (المائدة: 24) :

فلما علم الله منهم الصدق في معاملته، وإيثار مرضاته ومحبته، أيدهم بنصره وتوفيقه، وسلك بهم منهج دينه وطريقه؛ فأذل بهم أنوفًا شامخة عاتية، ورد بهم إليه قلوبًا شاردة لاهية، جاسوا خلال ديار الروم والأكاسرة، ومحوا ما عليه تلك الأمم العاتية الخاسرة، وظهر الإسلام في الأرض ظهورًا ما حصل قبل ذلك، وعلت كلمة الله، وظهر دينه فيما هنالك، واستبان لذوي الألباب والعلوم، في أعلام نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ما هو مقرر معلوم.

ولم يزل ذلك في زيادة وظهور، وعلم الإسلام في كل جهة من الجهات مرفوع منصور، حتى حدث في الناس من فتنة الشهوات، والاتساع، والتمادي في فعل المحرمات، ما لا يمكن حصره ولا استقصاؤه، فضعفت القوة الإسلامية، وغلظت الحجب الشهوانية، حتى ضعف العلم بحقائق الإيمان، وما كان عليه الصدر الأول، من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت