الصفحة 288 من 461

وبعد: فإن موجب الكتاب، القيام بأوجب واجبات الدين، وأفضل شعائر الموحدين، وطريقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن تبعه من الصالحين، من أداء النصيحة لله، ولكتابه، وللأئمة، والعامة من المسلمين، فقد أرشدنا ربنا تعالى في ذلك، إلى طريق الفلاح المنجي من الخسران، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (بسم الله الرحمن الرحيم) ، {والعصر - إن الإنسان لفي خسر - إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} .

وقال تعالى: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا} (سبأ: 46) قال ابن القيم، رحمه الله تعالى: لما كان للإنسان الذي يطلب معرفة الحق، حالتان؛ إحداهما: أن يكون ناظرًا مع نفسه؛ والثانية: أن يكون مناظرًا لغيره؛ أمرهم بخصلة واحدة، وهي: أن يقوموا لله اثنين اثنين، فيتناظران، ويتساءلان بينهما، وواحدًا وفردًا، يقوم كل واحد مع نفسه، فيتفكر في أمر هذا الداعي وما يدعو إليه، ويستدعي أدلة الصدق والكذب، ويعرض ما جاء به عليهما، ليتبين له حقيقة الحال، فهذا هو الحجاج الجليل، والإنصاف المبين، والنصح العام، انتهى.

وقد عرفتم: أنه لا بدّ في التوحيد من العلم به، والعمل، والدعوة إليه، فهذه طريقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه، في كل زمان ومكان، وهذا الواجب يجب على كل إنسان بحسبه، وإن كثر جهله وقل علمه وإطلاعه، فلو كان ذلك مقصورًا على أحد لعلمه وفضله، لتعطلت أمور الدين؛ أو كان فيه غضاضة للفاضل، ورفع للمفضول: لما قال عمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتصلي على ابن أبي وهو كذا وكذا؟ ولما أنكر على أبي بكر رضي الله عنه قتال أهل الردة أولًا؛ ولما أنكر بعض الصحابة على بعض؛ ولما قال عمر رضي الله عنه: الله أكبر ÷ أصابت امرأة وأخطأ عمر.

وهكذا شأن العلماء الأخيار، في جميع الأعصار، ومع ذلك فالأخوة الإسلامية باقية، لا يشوبها هوى ولا استكبار عن اتباع الحق مع من كان معه، فإن أشكل، فالرد بينهم إلى كتاب الله وسنّة نبيه - صلى الله عليه وسلم - عند موارد النزاع.

وقد علمتم: أن الفتن كثيرًا ما يلتبس فيها الحق بالباطل، ولكن يجب على المسلم معرفة الحق في ذلك بالبحث والمذاكرة، وإظهار ما يعتقده ويدين به، فإن كان حقًا سأل ربه الثبات والاستقامة، وشكره على التوفيق والإصابة؛ وإلا رده إلى من هو أعلم منه بحجة يجب المصير إليها، ويقف المرشد عليها، والله عند لسان كل قائل وقصده ومجازيه بعلمه، قلا بد من زلة قلم وعثرة قدم {وفوق كل ذي علم عليم} (يوسف: 76) ، {ولا يحيطون به علمًا} (طه: 110) .

ولا يخفى عليكم: أن الله تعالى ما أنعم على خلقه نعمة أجل وأعظم، من نعمته ببعثة عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإن الله بعثه وأهل الأرض عربهم وعجمهم، كتابيهم وأمييهم، قرويهم وبدويهم، جهال ضلال على غير هدى ولا دين يرتضى، إلا من شاء الله من غُبَّرِ أهل الكتاب، فصدع بما أوحى الله إليه، وأمر بتبليغه، وبلغ رسالة ربه، وأنكر ما الناس عليه من الديانات المتفرقة، والملل المتباينة المتنوعة؛ ودعاهم إلى صراط مستقيم، ومنهج واضح قويم، يصل سالكه إلى جنات النعيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت