ومصلحة الجهاد وتسكين الفتنة عن المسلمين مصلحة عظيمة، فلو خرج المسلمون من نصف أموالهم، وأتم الله مقصودهم، وكفاهم عدوهم لكان ذلك قليلًا في تحصيل هذه المصلحة، فكيف وفي الجهاد سعادة الدارين لمن خلصت نيته، وكان قصده وجه الله والدار الآخرة.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( تكفل الله لمن خرج في الجهاد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه بما نال من أجر أو غنيمة ) )وورد أيضًا: (( الجنة تحت ظلال السيوف ) ).
والذي مثلكم من أهل العقول والديانة والحمية للإسلام، والنصرة لله ورسوله وللمؤمنين، يجد في هذا الأمر غيره لله ولدينه ولحوزة المسلمين، فالله الله يا إخواني: بالتشمير والجد والاجتهاد في مساعدة ولي الأمر، على إطفاء هذه الفتنة، والجهاد معه بالنفس والمال. والإمام - أيده الله تعالى - قد طلب من المسلمين: أن يجاهدوا معه، ولو طلب منهم النفير لتعين عليهم ذلك حكمًا شرعيًا، كما قال - صلى الله عليه وسلم: (( وإذا استنفرتم فانفروا ) ).
وقد ورد في فضل الجهاد آيات وأحاديث، منها قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أهل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} إلى قوله تعالى {ذلك الفوز العظيم} (الصف: 10 - 12) .
وهذه والله هي التجارة الرابحة، التي تحصل بها النجاة من النار، والفوز بدخول الجنة ونعيمها.
ولم يرض سبحانه للجنة ثمنًا لغلائها ونفاستها، إلا نفوس المؤمنين، فقال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} (التوبة: 111) .
وقال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} (العنكبوت: 69) فنبهنا الله سبحانه على الإخلاص في الجهاد بقوله: {جاهدوا فينا} يعني: لله وفي الله، بخلاف من يجاهد لنفسه أو لغرض.
وقال تعالى: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين} (العنكبوت: 6) وقال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} (آل عمران: 142) ، يعني: أحسبتم أن دخول الجنة سهل وهو إنما يحصل لأهل الصدق في الجهاد والصبر.
وقال تعالى: {وكأين من نبيٍّ قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين} (آل عمران: 146) ، يعني أن نفوسهم وهممهم لم تضعف، ولم يصبها مسكنة لما أصابهم في سبيل الله، بل قويت هممهم وعزائمهم، وبذلوا نفوسهم وأموالهم لما علموا ما عند الله من الثواب الجزيل للمجاهدين الصابرين، ولم تأخذهم في الله لومة لائم، ولم يبالوا بقريب ولا بعيد في ذات الله تعالى، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} (آل عمران: 200) .