الصفحة 283 من 461

فأمر تعالى بتقواه حق التقوى، وأمر بالتزام الإسلام والتسمك به مدة العمر والمحيا، لأن من عاش على شيء مات عليه، كما جرت به عادة أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، وأمر بالاعتصام بحبله، وهو كتابه، وقيل هو الجماعة، والمعنى متقارب، لأن الاعتصام بالكتاب لا يحصل على وجه الكمال الواجب، إلا مع الجماعة، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أكرمكم به.

ويشهد له الحديث المرفوع (( من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ) )وعنه - صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يرضى لكم ثلاثًا، أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا ) )وكذلك هذه الآية، فيها النهي عن التفرق، فإن الجماعة رحمة، والفرقة عذاب.

وإذا وقعت الفرقة فسد الدين، ونبذ الكتاب، وغلبت الأهواء وذهب سلطان العلم والهدى، فلا تكاد ترى إلا من هو معجب برأيه، منفرد بأمره، منتقص لغيره، معرض عن قبول الهدى، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم؛ وقد ورد مرسلًا (( كل رجل من المسلمين على ثغر من ثغور الإسلام، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبله ) ).

وعن الحسن إنما المسلمون على الإسلام بمنزلة الحصن، فإذا أحدث المسلم حدثًا ثغر في الإسلام من قبله، وإن أحدث المسلمون كلهم، فأثبت أنت على الأمر الذي لو اجتمعوا عليه، لقام دين الله بالأمر الذي أراد من خلقه؛ وبالجملة: فشأن الجماعة شأن عظيم، قد عدها كثير من أهل العلم من أركان الإسلام، التي لا يقوم إلا بها.

وقد عرفتم: ما حدث من الاختلاف والتفرق في هذه الأوقات، وظهر من أمور الجاهلية ما يعرفه من عرف حال القوم، وما كانوا عليه قبل النبوة في أصل التوحيد وغيره، مما لا يقوم الإسلام إلا به، فالله الله، تداركوا أمره، وتوبوا إلى ربكم، قبل أن تبسل نفس بما كسبت.

ثم ذكر سبحانه بنعمته بالجماعة، وما من به على أول هذه الأمة، من الاجتماع على دينه الذي ارتضاه، بعدما كان بينهم من الفرقة والعداوة، فألف بين قلوبهم، وصاروا إخوانًا متحابين متواصلين، متناصرين على دينه، متعاونين على جهاد عدوه وعدوهم، فأنقذهم بذلك من النار، بعد أن كانوا على طرف حفرة منها، وهذه هي النعمة العظيمة، والعطية الكريمة، قال تعالى: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} (آل عمران: 185) ثم بين سبحانه مراده وحكمته، بما تقدم من الأمر والبيان، وأن المقصود به هداية عباده المؤمنين، والعمل بما أمر به وشكر نعمه التي أسداها إلى خلقه.

ثم قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} (آل عمران: 104) قال بعض المفسرين، المقصود بهذه الآية: أن تكون فرقة من هذه الأمة، متصدية للقيام بأمر الله، في الدعوى إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت