وأما أمر ولاية عبد الرحمن بن فيصل، فسبق إليكم خطوط بعد وفاة سعود، وعرفتكم بعقد البيعة لعبد الرحمن، وحذرت من الفتنة والمشاقة، والرغبة عن جماعة المسلمين، وكتبت لغيركم هذا المضمون، ولا قصد لي إلا اجتماع المسلمين، ودفع الشر والفساد بحسب الطاقة، و {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} (البقرة: 286) ولا جرى مني ما ينقض هذا.
والخط الذي وردك عليكم وأرسلتموه إلينا، لا حقيقة له، ولم يصدر مني ما ذكر فيه، ولو طالبتموه بخطي، لم تجدوا عنده أثرًا ولا خبرًا، والله يقضي ما يريد بحكمته، وينفذ بقدرته وعزته، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، ولا تغتروا بالحكي وتسويد القرطاس {وكفى بالله شهيدًا} (النساء: 79) والله عند لسان كل قائل وقلبه، ولا يستنكر مثل هذا، وأعظم منه في هذه الفتنة، نسأل الله العظيم: أن يلطف بأهل الإسلام، وأي يهديهم سبل السلام، وأن يخرجنا وإياهم من الظلمات إلى النور، وينصرهم على عدوهم، وصلى الله على محمد.
سئل بعضهم: ما معنى قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} (آل عمران: 159) وما يلزم الإمام في ذلك؟ أوضحوا لنا رحمكم الله.
فأجاب: قال الله تعالى لصفوته من خلقه: وشاورهم في الأمر، وقرأ ابن عباس: في بعض الأمر؛ قال الإمام العلامة أثير الدين أبو حيان في تفسيره المسمى (البحر المحيط) على هذه الآية الكريمة: أمر الله تعالى بمشاورتهم.
وفيها فوائد: تطيب نفوسهم، ورفع مقدارهم بصفاء قلبه لهم، حيث أهّلهم للمشاورة، وتشريع المشاورة لمن بعده، والاستظهار برأيهم فيما لم ينزل فيه وحي، فقد يكون عندهم من أمور الدنيا ما ينتفع به، واختبار عقولهم، فتنزلهم منزلة لهم، واجتهادهم فيما فيه وجه الصلاح، وجرى على منهج العرب وعادتها في الاستشارة في الأمور.
وإذا لم يشاور أحدًا منهم حصل في نفسه شيء، ولذلك عزّ على علي وأهل البيت كونهم لم يتشاوروا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، إلى أن قال: إذ لا يستشير الإنسان إلا من كان معتقدًا فيه المودة الصادقة والعقل والتجربة، قال رحمه الله: وفي هذه الآية دليل على المشاورة وتخمير الرأي وتنقيحه، والفكر فيه، وأن ذلك مطلوب شرعًا، ولهذا كان كثير المشاورة صلى الله عليه وسلم لأصحابه انتهى.
وفي الحديث (( ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار ) ) (ضعيف) ولولي الأمر كتمان بعض الأمر لمصلحة يراها، كفعله - صلى الله عليه وسلم -، ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في الهدي، وينبغي أن يفهم: أن من استشار واحدًا أو اثنين وأمره فقد استشارهم، كما صرحت به سنّته وهديه، ففي بعض الأمر استشار أم سلمة، ولم يستشير غيرها، وفي مصالحة المشركين استشار السعدين فقط، ولما أراد أن يرجع من الطائف استشار نوفل بن معاوية الديلمي، وهذا باب واسع، وربما فعل أشياء ولم يستشير فيها أحدًا، وقد أرسل بعض السرايا، وكتب لهم كتابًا إذا بلغتم كذا وكذا، فانظروا كتابي واعملوا به، ولم يطلع عليه غيره، ولم يشاورهم فيه.