الصفحة 266 من 461

وقد صار لديكم وشاع بينكم، ما يعز حصره واستقصاؤه، فينبغي للمؤمن الوقوف عند كل همة وكلام، فإن كان لله مضى فيه، وإلا فحسبه السكوت، وقد عرفتم حالنا في أول هذه الفتنة، وما صدر إليكم من المكاتبات والنصائح، وفيها الجزم بإمامة عبد الله، ولزوم بيعته، والتصريح بأن راية أخيه راية جاهلية عمية؛ وأوصيناكم بما ظهر لنا من حكم الله وحكم رسوله، ووجوب السمع والطاعة.

فلما صدر من عبد الله ما صدر، من جلب الدولة إلى البلاد الإسلامية، والجزيرة العربية، وإعطائهم الأحساء والقطيف، والخط؛ تبرأنا مما تبرأ الله منه ورسوله، واشتد، النكير عليه شفاها، ومراسلة لمن يقبل مني ويأخذ عني، وذكرت لكم أن بعض الناس جعله ترسًا، تدفع به النصوص والأحاديث والآثار، وما جاء من وجوب جهادهم، والبراءة منهم، وتحريم موادتهم ومواخاتهم، من النصوص القرآنية، والأحاديث الصحيحة الصريحة النبوية.

والقول: بأنهم جاؤوا لنصر إمام أو دين، قول يدل على ضعف دين قائله، وعدم بصيرته وضعف عقله، وانقياده لداعي الهوى، وعدم معرفته بالدول والناس، وذلك لا يروج إلى على سواسية الأعراب، ومن نكب عن طريق الحق والصواب؛ وأعجب من هذا: نسبة جوازه إلى أهل العلم، والجزم بإباحة ذلك؛ والصورة المختلف فيها مع ضعف القول بجوازها وإباحتها، والدفع في صدرها كما هو مبسوط في حديث (( إنا لا نستعين بمشرك ) )هي صورة غير هذه، ومسألة أخرى.

وهذه الصورة، حقيقتها: تولية وتخلية، وخيانة ظاهرة، كما يعرفه من له أدنى ذوق ونهمة في العلم، لكن بعد أن قدم عبد الله من الأحساء، ادعى التوبة والندم، وأكثر من التأسف والتوجع فيما صدر منه، وبايعه البعض، وكتبت إلى ابن عتيق أن الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تهدم ما قبلها، فالواجب السعي فيما يصلح الإسلام والمسلمين؛ ويأبى الله إلا ما أراد {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (يوسف: 21) .

والمقصود: كشف حقيقة الحال في أول الأمر وآخره، وقد تغلب سعود على جميع البلاد النجدية، وبايعه الجمهور، وسموه باسم الإمامة، وقد عرفتم: أن أمر المسلمين لا يصلح إلا بإمام، وأنه لا إسلام إلا بذلك، ولا تتم المقاصد الدينية، ولا تحصل الأركان الإسلامية، وتظهر الأحكام القرآنية إلا مع الجماعة والإمامة، والفرقة عذاب وذهاب في الدين والدنيا، ولا تأتي شريعة بذلك قط.

ومن عرف القواعد الشرعية، عرف ضرورة الناس وحاجاتهم، في أمر دينهم ودنياهم إلى الإمامة والجماعة، وقد تغلب من تغلب في آخر عهد أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعطوه حكم الإمامة، ولم ينازعوه كما فعل ابن عمر وغيره، مع أنها أخذت بالقهر والغلبة، وكذلك بعدهم في عصر الطبقة الثالثة، تغلب من تغلب، وجرت أحكام الإمامة والجماعة، ولم يختلف أحد في ذلك، وغالب الأئمة بعدهم على هذا القبيل وهذا النمط.

ومع ذلك: فأهل العلم والدين: يأتمرون بما أمروا به من المعروف، وينتهون عما نهو عنه من المنكر، ويجاهدون مع كل إمام، كما هو منصوص عليه في عقائد أهل السنّة، ولم يقل أحد منهم بجواز قتال المتغلب والخروج عليه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت