فها هنا أمران , يمنعان كون الفعل قربة , استلزمه لأمر مبغوض مكره , أو تفويته لمحبوب هو أحب إلى الله من ذلك الفعل , ومن تأمل هذا الموضوع حق التأمل: أطلعه الله على سر الشريعة , ومراتب الأعمال , وتفاوتها في الحب والبغض , والنصر والنفع , بحسب قوة فهمه وإدراكه , ومواد توفيق الله , بل مبنى الشريعة على هذه القاعدة , وهي: تحصيل خير الخيرين , وتفويت أدناهما , وتفويت شر الشرين باحتمال أدناهما , بل مصالح الدنيا كلها قائمة على هذا الأصل , انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله - في الأقسام بعد كلام سبق - والمداهنة إنما تكون في باطل قوي لا يمكن إزالته , أو في حق ضعيف لا يمكن إقامتها , فيحتاج المداهن إلى أن يترك بعض الحق , ويلتزم بعض الباطل , انتهى.
فتأمل ما ذكرناه: من أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح , وإذا اجتمع درء المفاسد واجتلاب المصالح , كان ذلك أقوى في الحجة على الخصم , من ذكر استجلاب المصالح فقط.
وأما استدلالك بكلام ابن القيم , فقد أبعدت النجعة , وما أبعده من دليل , فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن في ولايتهم , ولا صالحهم على الدخول فيها بما التزمه لهم , وأجابهم فيه بما يعظمون به حرمة من حرمات الله , فأين هذا مما أنتم فيه؟ فإن الولاة المذكورين لم يكن بينهم وبينهم مصالحة , ولا طلبوا منهم أمرًا يعظمون به حرمة من حرمات الله , فتجيبوهم إلى ذلك وتعينوهم عليه , فما وجه الاستدلال بكلام ابن القيم لذلك , والحالة غير الحالة؟
وأما الولاة المذكورين , فإنهم قد حصل منهم موالاة وتول للكفار وموافقة , ومظاهرة على المسلمين , فلا شك في ردتهم , والمتأخرون , منهم إما رضوان بأفعالهم , أو معينون لهم , ولم يظهر منهم مخالفة لمن قبلهم , ولا عيب لهم على أفعالهم , فحكمهم حكمهم , إلا أن يكون قد تبين لكم منهم خلاف ما عليه أسلافهم , فإذا عرفت هذا , تبين لك وجه الحجة على خصمك لما ذكرناه.
وقال أيضًا: الشيخ سليمان بن سمحان: وأما قول السائل , ويقولون: ساكن البادية , والنازل منها إلى الحاضرة , سواء.
فنقول: هذا من الكذب على المشائخ , فإنه لم يقل أحد منهم أن من أسلم من البادية , ودخل في هذا الدين ولم يهاجر , كمن هاجر منهم وترك جميع ما كان عليه من أمور الجاهلية , وسكن مع الحاضر سواء , بل هذا من أعظم الكذب والافتراء , وقد بينا فضل من هاجر على من لم يهاجر.
وإنما قال المشائخ لمن سألهم عن الفرق: بين حكم من أسلم وتبين له الدين , وكان متمكنًا من إقامة دينه وإظهار - وبين من لم يسلم من الأعراب , الساكنين في البادية - أن لهجرة لا تجب عليه , بل هي