الصفحة 255 من 461

وليس هذا هو المسوغ للدخول في طاعتهم فقط , وإنما المسوغ لذلك هو: درء المفاسد، مع استجلاب المصالح الدينية.

وقد ذكر أهل العلم: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح , فدرء مفسدة قمع أهل الحق , وعدم إظهار دينهم واجتماعهم عليه , والدعوة إلى ذلك , وعدم تشتيتهم , وتشريدهم في كل مكان , مقدم على جلب مصلحة الإنكار على ولاة الأمور , مع قوتهم وتغليبهم وقهرهم وتغلبهم وقهرهم , وعجز أهل الحق عن منابذتهم , وإظهار عداوتهم والهجرة عن بلادهم , بمجرد الدخول في طاعتهم في غير معصية الله ورسوله.

فإذا كان لأهل الدين حوزة , واجتماع على الحق , وليس لهم معارض فيما يظهرون به دينهم , ولا مانع يمنعهم من ذلك , لا يجرون أحكام الكفر في بلادهم , ولا يمنعون من إظهار شعائر الإسلام , فالبلد حينئذ بلد إسلام , لعدم إجراء أحكام الكفر , كما ذكر ذلك شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله , عن الحنابلة وغيرهم من العلماء.

وإذا كان الحال على ما وصفنا , فمراعاة درء مفسدة قمع أهل الحق , وتشريدهم وتشتيتهم وإذلالهم , وإظهار أهل الباطل باطلهم , وإعلاء كلمتهم على أهل الحق , واحترامهم وعدم معارضتهم , مقدم والحالة هذه على مصلحة الإنكار على ولاة الأمور من غير قدرة على ذلك , لأجل تغلب أهل الباطل وقوتهم , وعجز أهل الحق عن منابذتهم , وعدم تنفيذ الأمور التي يحبها الله ويرضاها , فدرء المفسدة المترتبة على منابذتهم , بأضعاف مضاعفة , وإذا استلزم الأمر المحبوب إلى الله , أمرًا مبغوضًا مكروهًا إلى الله , وتفويت أمر هو أحب إلى الله منه , لم يكن ذلك مما يحبه الله ويقرب إليه , لما ينبني على ذلك من المفاسد , وتفويت المصالح.

وقد ذكر أهل العلم: قاعدة تنبني عليها أحكام الشريعة , وهي: ارتكاب أدنى المفسدتين , لتفويت أعلاهما , وتفويت أدنى المصلحتين , لتحصيل أعلاهما.

وقال الإمام الحافظ: ابن عبد الهادي , في رده على السبكي , كلامًا يحسن أن نذكره في هذا الموضوع.

قال رحمه الله , الوجه الثالث: أنه لا يكفي مجرد كون الفعل محبوبًا له , في كونه قربة , وإنما يكون قربة إذا لم يستلزم أمرًا مبغوضًا مكرهًا , أو تفويت أمر هو أحب إليه من ذلك الفعل , وأما إذا استلزم ذلك , فلا يكون قربة , وذوي الحاجات منهم , وإن كان محبوبًا لله , فإنه لا يكون قربة , إذا تضمن فوات ما هو أحب إليه , من إعطاء من يحصل بعطيته قوة الإسلام وأهله , وإن كان غنيًا غير مستحق.

وكذلك التخلي لنوافل العبادة , إنما يكون قربة إذا لم يستلزم تعطيل الجهاد , الذي هو أحب إلى الله سبحانه من تلك النوافل , وحينئذ فلا يكون قربة في تلك الحال , وإن كانت قربة لا ستلزمها ما يبغضه الله سبحانه ويكرها، من التشبه ظاهرًا بأعدائه , الذين يسجدون للشمس في ذلك الوقت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت