بإباحة ما حرمه الله ورسوله , لقيام الشبهة معه , والتأويل المانع من تكفيره , ولكنه آثم عاص بفعله ذلك من غير اجتهاد في طلب الحق والدليل , إذ حسن الظن بمن يقلده ويسهل له في ذلك , هذا كله فيمن يقلد , وفي العامي الذي لا اطلاع له , ولا علم يميز به بين الحق والباطل.
وأما من أباح شيئًا من المحرمات من العلماء , فاعلم: أنه لا يتجاسر على إباحة المحرمات عالم يخشى الله , وإنما يخشى الله من عباده العلماء , وإنما يقع ذلك من بعض العلماء , لأسباب ذكرها شيخ الإسلام في (( رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) )بأمثلتها؛ فمن أراد الوقوف عليها فليراجعها هناك , ونذكرها ها هنا على سبيل الاختصار والإشارة.
فنقول: اعلم أن من أباح شيئًا من المحرمات من العلماء , فإنما ذلك لكونه لم يبلغه في ذلك نص فاجتهد , أو استند إلى موجب ظاهر آية أو حديث , أو موجب قياس , أو موجب استصحاب , أو بلغه في ذلك نص , لكنه لم يثبت عنده , لشيء مما قد يعرض للعالم من تضعيف الحديث , أو لعلة من جهالة , أو انقطاع , أو غير ذلك.
وإن كان قد ثبت عند غيره , أو بلغه الحديث , لكنه نسيه , أو لعدم معرفته بدلالة الحديث , أو اعتقد: أن هذا النص لا دلالة فيه؛ أو اعتقد: أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها ليست مراده , مثل معارضة العام بخاص، أو الحقيقة بما يدل على المجاز، من أنواع المعارضات , أو غير ذلك من الأعذار , مما ذكره أهل العلم لأهل العلم.
وهؤلاء الذين يجادلون في إباحة السفر , معهم من التأويل والشبهة , ما صدهم عن سواء السبيل؛ فإنهم يزعمون: أن ما نستدل به من الآيات والأحاديث , محمولة على من لا يظهر دينه , وأنه لا دلالة فيها على التحريم؛ ومعارضة الأحاديث العامة المطلقة , بالأحاديث الخاصة , المقيدة بإظهار الدين، ومعهم من الجهل والغباوة ما لا مزيد عليه.
فإنهم يزعمون أنا نكفر من أباح السفر إلى بلاد المشركين، لأن السفر إلى بلاد المشركين محرم؛ ومن أباح محرمًا فقد كفر , ونحن نبرأ إلى الله مما يقولون، وهذا الإلزام لازم لهم، فإن من حرم حلالًا فقد كفر، كمن أحل حرامًا لا فرق، ولكنهم لا يعلمون , وصلى الله على محمد، انتهى.
وقال الشيخ: سليمان بن سمحان، رحمه الله تعالى: وتذكر أني رأيت في كلامك عثرة، أو هفوة، فلمؤمن مرآة أخيه.
فاعلم وفقك الله لما يحب ويرضاه: أنه وقع في كلامك الذي كتبت به إلى الملاحي، بعض الهفوة والعثرة، غفلة منك , ولم يكن ذلك الخطأ منك على بال، ولم تقصد ذلك المعنى على عمد واعتقاد، ولكن لم تحسن التعبير عن الأمر الذي تقوم به الحجة على المخالف، ويندفع به وجه احتجاجه عليكم، وذلك أنك جعلت الأمر المسوغ للدخول في طاعتهم، هو استجلاب مصالح المسلمين، واعزاز أهل الدين،